انطفأت الأضواء عن أطفال "ذا فويس كيدز" أمس الأوّل. انتهى الوقت المخصّص لهم على "أم بي سي". سيحتلّ سهرة السبت برنامج آخر قريبًا، ويستبدل الأطفال بمجموعة من الممثلين أو الطهاة أو أصحاب المواهب الخارقة، لسرقة اهتمام المشاهدين والإعلام، على امتداد بضعة أشهر.
لن تتوقّف آلة صناعة النجوم الفوريين عن العمل ما دامت البرامج مربحة إعلانيّاً. تمرّ مجموعة من النجوم المستحدثين سنويًا عبر الشاشات، ولا يبقى منهم سوى قلّة، لم تحدث إلى الآن تغييراً فعليّاً على ساحة الفنّ العربيّ، بالرغم من كثرة مواسم برامج الهواة.
عندما يتعلّق الأمر بالمشتركين الكبار، قد تكون النجوميّة العابرة مجرّد تجربة يراكمونها في حياتهم المهنيّة أو الشخصيّة. لكن عندما يتعلّق الأمر بالأطفال، أيّ مصير ينتظر مواهبهم بعد مغادرة البرنامج؟ وكيف سيستعيدون توازنهم، متحرّرين من نشوة الاهتمام التلفزيونيّ، في عصر باتت تقاس فيه نجوميّة الأفراد بعدد "اللايكات" على "فايسبوك"، وليس بكمّ الإنجازات؟
لا يغادر نجوم "ذا فويس كيدز" البرنامج إلى حياة ورديّة. بعضهم مهجّر من بلده ولاجئ في آخر، وبعضهم يقيم في بلاد تحاصرها الحروب أو الأزمات السياسيّة. لن تبقى لهم سوى ذكريات جميلة عن تجربة انفصلوا فيها عن الواقع، ليعيشوا قصّة شبه مثاليّة، تنتهي مع مغادرتهم استوديوهات "أم بي سي". قد يُنسي البرنامجُ الأطفالَ ما يحيط بهم من بشاعة، لكنّه يحملهم في الوقت عينه إلى شهرة عابرة وكاذبة، ربّما سيجاهدون للتخلّص من آثارها لاحقاً.
بعض المعلّقين على الحلقة الختاميّة، لاموا القناة على إظهار الأطفال بتبرّج مفرط، وتقديمهم أغانٍ لا تتناسب مع أعمارهم. وخلال حلقات البرنامج، سُئلت القناة عن مراعاة الصحّة النفسيّة للمتبارين، عند تسليط الأضواء عليهم بشكل لا يراعي هشاشتهم. الآن، ومع انتهاء الموسم الأوّل، سيواجه الأطفال تحديّات أكثر خطورة، بعدما اعتادوا على التصفيق، وعلى الاهتمام الإعلامي المفرط. على مقاعد الدراسة، وفي وسط أصدقائهم، ألن تكون الشهرة العابرة، عبئاً عليهم؟ كيف تقنع طفلاً أنّه لا يملك امتيازات خارقة بمجرّد مروره على الشاشة، إن كان ذلك صعباً مع الراشدين أساساً؟
آثار الأضواء الجانبيّة قد لا تطال المشاركين في "ذا فويس كيدز" فقط، بل تمتدّ إلى المشاهدين من الأطفال. يحبّ الطفل أن يكون محور اهتمام المحيطين به، يأتي البرنامج ليقدّم له الوصفة الأسهل: اعتلاء المسرح والغناء، كجزء من ثقافة استهلاكيّة تكرّس النجاح على أنه لحظة شهرة مرحليّة، لا ثمرة مجهود متواصل قد يتطلّب حياة بكاملها.
في مستهلّ الحلقة النهائيّة، روى الفنان تامر حسني أنّه التقى أحد الأطفال في مصر ودار الحديث التالي بينهما: "قلّي الولد أنا عايز أروح معاك ذا فويس كيدز. قلتلّه بتعرف تغنّي؟ قلّي لأ بس عايز الناس تزقّفلي". يعدّ هذا الطفل مثالاً عن آلاف شاهدوا البرنامج وتمنّوا أن يقفوا على مسرحه، وبدأ بعضهم برسم سيناريو الغناء أمام اللجنة واختيار المدرّب.
قبل إعلان اسم الفائز/ة في "ذا فويس كيدز"، أسدت المغنية نانسي عجرم نصيحة للأطفال، وهي أن يكملوا دراستهم "لأن العلم والثقافة هما السبيل لتحقيق الأحلام والطموحات". لكن كلّ ما تقدّمه الشاشات وتسوّق له يثبت العكس. فلا العلم ولا الثقافة ساهما بفوز أي مشترك في برامج الهواة السابقة، وحده التصويت يحكُم، أو الحالة الإنسانيّة التي تستجدي الدموع أحياناً، أو الكاريزما.
يقال إنّ أطفال "ذا فويس كيدز" أدخلوا البهجة إلى العالم العربي وأعطوا أملاً للمشاهدين، كدليل على نجاح البرنامج. قد يكون ذلك صحيحًا، خصوصاً أمام حاجة المتفرّج العربي إلى متنفّس. لكن كلّ ما يقدّمه التلفزيون ليس سوى جرعة مهدّئة لا تساهم إلا في تعبئة جدول البرامج، وجذب الرعاة والمعلنين. أمّا النتيجة فسعادة عابرة للمشاهدين، ونسب مشاهدة قياسيّة للقنوات، وأطفال يكبرون على عبادة النجوميّة.
(جوزيت أبي تامر - السفير)