لنضع جانباً السياسة في لبنان وفي المحيط وما وراء البحار وما أمامها، وننسَى متاهاتها وتعقيداتها وزواريبها الضيقة ودهاليزها المظلمة وحفرها العميقة، فنلتفت للحظة، ليتها تدوم أكثر من لحظات وساعات وأيام، لما هو لبنان وما نحبّه فيه وما نريده منه، لجوهر وحقيقة واستثناء السحر اللبناني الذي يلمع في كياننا مع كل ابتكار ونجاح يحققه لبناني هنا وهنالك، مغيّبا صورة النفايات الكريهة في الطرقات وخارجها، في السلطة والحكم وفي فلكهما، ومفقدا ما تبقى من مصداقية لهؤلاء المتمسكين بعروشهم، وأمّا العرش الحقيقي فلأهل البلد ومبدعيه.
هو مارك حاتم، ابن الـ25 عاماً، والذي سرعان ما يوضح أنه سوف يبلغ الـ26 عاماً في شهر تموز المقبل، كمن هو على عجلة من أمره، ولا عجب في ذلك نظرا إلى عمره اليافع وقدراته الصوتية الخلابة وحماسه لتحقيق المزيد المزيد...أبهر الجمهور الفرنسي وغير الفرنسي منذ اللحظات الأولى من اطلالته في برنامجthe Voice France السبت الماضي، دافعاً بأعضاء الحكم الأربعة الى الاستدارة له والالحاح عليه بالالتحاق بفريقهم، وأشعل مواقع التواصل الاجتماعي التي حيّت صوته العريض الدافئ وصباه المنير وأبتسامته الساحرة.
علّقت على حضوره وغنائه أكثر من صحيفة وموقع ومحطة تلفزيونية في فرنسا كما في لبنان، ولعلّ من أبرز ما قيل عن اطلالته الأولى في برنامجthe voice هو ما نقله موقع Touche Pas a Mon Pote (TPMP) الذي تحدّث عن الحلقة السادسة من البرنامج لهذا الموسم، موضحا انها حصلت على أكبر نسبة مشاهدة منذ بدء بثّه منذ خمس سنوات حتى اليوم مع ما يناهز الـ7,3مليون مشاهدة على رغم كونها الأسوأ من حيث المواهب، باستثناء مارك حاتم كما ورد في الموقع.
ومارك استثنائي على أكثر من صعيد، لا ريب في ذلك. فهو ملمّ بالفنون والعلوم في آن، درس الهندسة المعمارية (architecture) في جامعة الألبا، لا عن سابق تصور وتصميم، بل لأنه اكتشف في اللحظات الأخيرة قبل دخوله معهد الهندسة أن ليس هذا الاختصاص الذي يستهويه والذي يتلاءم مع شخصيته وحبّه للرسم. أخوه البكر، إيلي-جورج، والذي بدا متحمساً جداً له في البرنامج، مهندس كومبيوتر ويحسن الغناء أيضاً، وقد "ساعدني ورافقني في كلّ مراحل حياتي". أما شقيقه الأصغر باتريك، فهو أيضاً يدرس علم الكمبيوتر في محيط عائلة علمية الهوى حيث يمتلك الوالد شركة برامج متخصصة للكمبيوترات.
وقد شقّ مارك طريقه إلى الإحتراف والشهرة منذ زمن، فهو شارك في حفلات ومباريات غنائية عديدة، متصدرا الـkaraoke championship في ايرلندا وهو في عامه الـ21. سمع بأمره أحد مسؤولي برنامج The Voice برونو بربراس عبر المغنية اللبنانية هبة طواجي، التي سبق أن شاركت في البرنامج نفسه العام الماضي واستطاعت أن تشق طريقها الى الشهرة الفرنسية عبره. كان في إجازة خارج لبنان عندما تلقّى الدعوة لالتحاق بالبرنامج، فما كان له الا أن قطع إجازته قاصدا باريس ليخضع لامتحان القبول.
انتظر مطوّلاً قبل أن يتلقى الإتصال الثاني للمشاركة في البرنامج. تأثر جداً عندما رأى أنّ الكرسي الرابع، وهو كرسي المغنية والملحنة زازي، قد استدار أيضاً له، إذ كانت عيناه مغلقتين حينها وعندما فتحهما اكتشف أن الاستدارات الأربع قد اكتملت، فأدمع دون أن يشعر المشاهدون بذلك.
عن مدرّبه غارو، يقول مارك أنه "استثنائي وهو مثاله الأعلى في الغناء"، ولطالما تمنّى أن يكون أستاذه وموجههه في حياته الفنية، خاصة أنّ علاقته بلبنان مميّزة، وكلّ ذلك جعله يختاره.
وتمنع قواعد البرنامج على مارك أن يبوح بنتائج المواجهة الأولى التي شارك فيها علماً أنّها قد سجلت، وهو ملتزم إلى أقصى الحدود بهذه القواعد، و"لن أقول شيئاً من هذا القبيل". ومن غير المجدي أن يحاول أحدٌ استدراجه للبوح بمعلومة ما، فهو يكتفي بالقول "منشوف" و" انشاء الله" و" ما بعرف" كلما حاولت أن تعرف المزيد.
ولكن، يا مارك، نحن نعرف أنّك نجم صاعد ومبعث فخر ومصدر ابتهاج لعائلتك أولاً وللبنان واللبنانيين ثانياً، ونتمنى لك التوفيق لأنّك جدير به!