فعلها اللبنانيون للمرّة الثانية على التوالي واستشاطوا غضباً! وفاضت براكينهم على الـ"فيسبوك" تهكُماً ونكتاً! انتفضوا وأعلنوها ثورة وأفرغوا كبت السنين الطويلة وصبّوا جام غضبهم على رأس "الملكة" وحوَّلوا أحلامها إلى كوابيس!... هكذا ومن تلقاء نفسهم، من دون تحضيرات ولا حراك مدني ولا عزائم "فيسبوكية"، أراهم اتحدوا وتحمسوا للدفاع والتصدي في وجه من لوحت لهم بقرص الفلافل!
بدوري لم أستطع وسط كلّ هذه الإحتجاجات والهجمات، أن أتخيل كموسيقى تصويرية لهذا المشهد إلا أغنية واحدة تبدلت كلماتها لتصير"الشعب اللبناني وين.. وين الملايين" ومع ترديد الكوْرس في كل مرة عبارة "وين" كنت أراهم يتدفقون من كل حدب وصوب على التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائل ويرددون سويا في آن واحد.. الهاشتاغ الشهير "منع أحلام من دخول لبنان".
وأما الأولى، فهي وكما بات معلوماً ومُدوناً في سجلات ثوراتنا، تلك التي اندلعت إزاء وصف غانم لنا بالغنم، حيث نال الإعلامي البارز مارسيل بدوره العديد من الانتقادات اللاذعة ولو بحِدة أقل، مع أن كلامه لم يكن لمجرد الإهانة، على عكس أحلام من أصبحت "كلام الناس" في الآونة الأخيرة.
صدقوني أنا لا أدافع عنها، ولكن ما حصل بينها وبين أحد البرامج لا يخرج عن إطار ردود الفعل الصبيانية التي كثيراً ما تحصل في الوسط الفني المليئ بالسقطات. وبالمقارنة فإني أجد أن الفيلم الخيالي صاحب نسبة الإقبال العالية على شباك التذاكر "River of trash" والذي قام بإخراجه وإنتاجه السياسيون اللبنانيون وتصدر شاشات العرض العالمية على وقع استخفافات مذيعة الـCNN قد أشعرني وغيري بالخجل أكثر بكثير من وصفنا بـ"ببياعين الفلافل".
وبناء عليه، هناك سؤال جوهري يطرح نفسه بقوة: من ترونه الأصل في كل هذه البهدلة التي وصلنا إليها.. هل هي فعلاً أحلام!؟ لذلك دعونا بعد "فوشة الكبد" التي مررنا بها في الأسبوعين الفائتين أن نفك شيفرة تغريدات أحلام، لأنه وبعد قراءة هادئة سيتضح لنا أن كلامها (الذي قصدت به الإهانة) إنما هو من حيث الأصل وللأسف مطابق للواقع وفي جزء منه ليس فيه ما يعاب! فلنأخذ على سبيل المثال قضية بيع الفلافل؛
فإن لم يكن فيها ما هو "غير مطابق للمواصفات" فهي مهنة شريفة بل لا أغالي إن قلت أنه يوجد "ألف مين يستمنى" من العاطلين عن العمل وممن هم من حملة الشهادات على الوقوف خلف مقلاة الزيت لقاء الحصول على لقمة العيش، بل أنا متأكد لسماعكم من مثل ذلك عن بعض سائقي التاكسي وعمال النظافة. وعلى ذكر البطالة ننتقل إلى تفوهها بلفظ "شحاتين" وهو واقع آخر آخذ بالازدياد، فليس شرطا أن يكون المعنى حرفيا كما نراه في الشوارع ومن ليس على دراية بما يحدث فليسأل أيضاً عما يجري على أبواب المستشفيات والجمعيات وأعتاب الجيران وغيرهم. أما بالنسبة لقولها: " خل يلموا الزباله اللي ملت الشوارع كنوع من الوطنية"، الحقيقة تقال وإن كانت جارحة أنه ليس هناك من وصف أدق من الذي قيل!!! نعم فنحن بحاجة إلى وطنية، وبعدد البوستات التي هاجمناها فيها وعدد النكات التي ألقيناها حولها وأقراص الفلافل التي ضربتنا بها، لا وبل أكثر، فقط لكي نُرغم كل مسؤول جعلنا مسخرة الشعوب على لم الزبالة التي ملت شوارعنا.
لذلك وبالفعل أجد نفسي أنا اللبناني، بحاجة إلى وطنية كبيرة جدا للقيام بهذا الفعل، وليس لمنعها ومنع آخرين من دخول لبنان بل لمنع من كانوا السبب في كل ذلك من دخول حياتنا كلبنانيين، ولتحقيق أحلام أخرى والمضي قدما في سبيل تنفيذها. أنا اللبناني أجد نفسي أمام تمنيات أخرى غير الإلتهاء بالرد على أحلام أو مقاطعة أغانيها ومنع إصداراتها في الأسواق! أنا اللبناني.. لي أحلام بأن أرى الكثيرين ممن هم من أهل البلد ومن غيره، يُرددون مجددا: "عم بحلمك يا حلم يا لبنان".
(جمال العيساوي)