وأخيراً، استعمل فنّان صوتَه الجميل على التلفزيون لخدمة الفنّ بأصالته وجمالياته وأسراره، بينما ينشغل معظم الفنانين الآخرين أو كلّ من يطلق أغنية جديدة بحجزِ كرسيّ تحكيم في برنامج مواهب من هنا، أو منصب تهريج في برنامج ترفيهي من هناك.
المشكلة الأعظم في العالم العربي اليوم، أنّ الشباب الصاعد الذي يشمئزّ من غالبية الأصوات التي يتمّ عرضُها على الشاشات والإذاعات، لا يعرف أنّ هناك أصواتاً جميلة حقّاً تستحقّ وقفةً أو متابعة أو حتى تشجيعاً، ومن بين أبرزها صوت المخضرَم عبد الكريم الشعّار وابنته رنين الشعّار، اللذين يتشاركان تقديمَ برنامج «أهل الطرب» على محطة "العربي"، التي لا يلتقط إرسالها معظم موزّعي الديش أو لا يبرمجونها، فلا يتسنّى لأكثرية اللبنانيين التمتّع بهذا البرنامج الفريد الذي يُعدّ بمثابة وصفة علاجية فنّية تأخذ المشاهد في فترة نقاهة سمعية تريحُه من صخب الحياة وضوضاء التلفزيون ونَشاز روّاده من المتفنّنين والمتأطرِبين والمتموسِقيين والمستشعِرين...
يهتمّ برنامج "أهل الطرب" بتعريف المشاهد على أعظم الأسماء التي طبَعت الفنّ العربي، مِثل الشيخ إمام وفريد الأطرش وناظم الغزالي وزكي ناصيف وأم كلثوم ووردة، أو تثقيفِه بمعلومات قيّمة عن الآلات الموسيقية مثل العود وتاريخه أو أنواع الأغاني ومدارسها وتفاصيلها.
وبصوت عبكريم ورنين وضيوفهم القيّمين، يغوص البرنامج بمشاهديه إلى عالم أغنيات أهمّ الفنانين العرب، ويقدِّم لمحات ثمينة عن كواليس حياتهم التي قد لا يعرفها حتى العاملون في الوسط.
ضيوف البرنامج ليسوا من الفنانين الذين يحملون "Nicknames" من أمثال ملك الغرام، وأميرة اللحن، وسلطانة الكلمة... وهم ليسوا من أصحاب المعالي والفخامة، وإنّما الدكتور والموسيقار والباحث والناقد والكاتب والشاعر ومَن لفَّ لفيفهم من الأشخاص المتعمّقين في عالم الموسيقى، والقادرين على إغناء الجلسة ببُعدٍ توثيقي وتأريخي وغنائي ترفيهيّ راقٍ.
وعلى رغم تقديم البرنامج جرعاتٍ كافية من الدندنة والأغنيات الذهبية، إلّا أنّ هناك فريقَ إعداد كُفءٍ يسهر على تقديم مادة ثمينة يتناقشها المضيفان مع ضيوفهم الذين يتمّ اختيارهم "عالطبلية".
أكثر ما يميّز البرنامج، أنّ أباً وابنته يقدّمانه ويحوّلانه في كلّ مرّة إلى "جلسة بيتوتيّة" مليئة بالمزاح والألفة واللطافة في الحديث، إذ لا يلبسان أبداً الثوبَ الإعلاميّ وتنميقاته التلفزيونية، بل يديران مواضيعَ نخبوية مع ضيوف متخصّصين لتحويل المادة الأكاديمية المعقّدة إلى مادة تلفزيونية لطيفة تستسهلُ هضمَها كافّة الفئات.
عبد الكريم ورنين الشعّار يعاملان الكاميرا على أنّها ميكروفون، ويوصلان المادة الإعلامية بإحساس تطرَب له العيون والآذان... ولا بدّ أن تصل رسالتهما إلى أكبر شريحة من المشاهدين العرب.
(جوزف طوق - الجمهورية)