يحصل أن يتحوّل "فيديو كليب" وصف بالإباحي، إلى "قضية". للتوضيح أكثر: ليس مضمون "الكليب" بحدّ ذاته ما يستحق إسالة الحبر، بل ما كشفه من عورات وتناقضات مترسخة في مجتمعنا وإعلامنا ومقارباتنا لمواضيع ومفاهيم شتّى.
أولاً، سهولة الوقوع في الأفخاخ والرتابة، وتسديد خدمات مجانية وتحقيق أهداف طالبي الشهرة:
سقط بعض الصحافيين والنقاد والفنانين في الخطأ، من دون قصد، بسبب مسارعتهم إلى الدفاع عن "عالم الفن" والمطالبة "بتنظيفه" من أمثال بطلة "الأغنية" المصوّرة في إحدى المنازل. الفتاة أطلقت "عملها" على قناتها الخاصة على "يوتيوب"، وعلى حدّ علمنا (أقلّه حتى كتابة هذه السطور)، لم تقم أي وسيلة إعلامية مرئية محلية، بعرضه. هل إذا ما ادعت هي أو مطلق أي باحثة عن الشهرة بشتّى الأثمان، بأنها "فنانة"، تحصل على هذا "اللقب" تلقائياً؟ وهل كلّ من نشر على مواقع التواصل الاجتماعي عملاً يدعي صاحبه بأنه "فن"، علينا ان نتبناه ونقيّمه على أساس انه بات مدرجاً في خانة "الأعمال الفنية"؟ أليست الكتابة عنها وعن أمثالها، ولو سلباً، تحقق هدفها الأساس بالانتشار والشهرة؟
في أحيان كثيرة يحصل أن يتوّسل أشخاص (وفنانون) منابر الانترنت لنشر عصارة مواهبهم أكانت كتابة شعر او نحت او رسم او غناء. وصحيح أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت منصة إعلامية واعلانية توازي وسائل الاعلام التقليدية التي اعتاد الفنانون ان يطلوا عبرها، ولكن علينا ألا ننسى أن هذه "المنابر" ملك اصحابها ولا تمثل الاداء الاعلامي العام والرسمي.
واذا كانت المقاربة الذكية تدعو الى الا يعير اهل الصحافة والفن اي اهتمام لمثل هذه الرتابات تجنبا للاعتراف الضمني بان مرتكبيها من "اهل البيت"، فإن إصدار "الأحكام" يصبح في هذه الحال (تحديداً لدى صدور العمل على الانترنت)، منوطاً بالمستخدمين على مواقع التواصل الاجتماعي والرأي العام. هنا فقط يضحى تناول مضمون "الكليب" وما يجتاحه من عري، قابلاً للنقد سلباً أم ايجاباً.
وهنا أيضاً، سوف تطفو إشكالية جديدة: هل يكون المطالبون بحذفه وحجبه عن الشبكة العنكبوتية محقين؟ ماذا عن كل ما هو منتشر محلياً وعالمياً عليها؟ ماذا عن الحرية الشخصية وموضوع الرقابة؟ أوليس من شأن موقع "يوتيوب" اتخاذ القرار بتركه أو حذفه وفقاً لقواعده العامة وشروطه؟
ثانياً: استنسابية المجتمع والإعلام في التعاطي مع المواضيع الجدلية:
تكاد الدنيا تقوم ولا تقعد بسبب "فيديو كليب" ظهرت فيه فتاة شبه عارية. ولكن، وبعيداً من اي مقارنة أو تشبيه، يصحّ القول بأن معظمنا ومعظم إعلامنا لا يهزه منع مسرحية أو فيلم من العرض. وفي الوقت عينه، يحارب البعض من أجل تحطيم مقص رقابة منع عرض عمل يتناول المثلية أو الشذوذ (وهي مواضيع جدلية في مجتمعنا تماماً مثل التعري)، فيما يطالب هذا البعض بحماية "بيئتنا" و"تقاليدنا" من مخاطر إظهار الفخذين والصدر في "كليب" لن يخرج على الأرجح من إطاره الضيّق.
إنها اشكاليات بلا أفق، وتناقضات جدلية. قد يحصل أن يدفع جسد تلك الفتاة البعض الى التعرّي، تماشياً مع "الظروف" الحساسة. لكن "قضية" الكليب بابعادها الاجتماعية والثقافية والاعلامية تسألنا خلع الثياب، علنا نرى الحقيقة بشفافية...