مشى "أبو مجد" في طريقه. ها هو "لحالو قاعد والضو شحيح، وورق الجرايد طاير بالريح". مشى ملحم بركات في طريقه. قالها: "وحدي انا رح ابقى وحدي ماشي انا ماشي لوحدي والسما على طول"... وفعلها! مهلك يا رجل، ما أتت ساعة الموسيقى بعد، فلم ترحل؟ "من بعدك لمين الزهر بينحني"؟
ومن بعدك أي لحن يعانق الخلود؟ أيّ شجن يشفي القلوب؟ وأي فجر يبزغ على القصائد والدموع؟ هلّا تجيب؟!... الكلمات المعلّبة لا تليق بوداع موسيقار، فهل من يبتدع لغة جديدة لصوغ خطبة الرثاء؟! وإن حصل، هل تقدر الحناجر أن تدلف الى الصوت؟ على الأرجح، سيكون الجميع على موعد مع سكون كفيل بالصراخ:" يا صمتي يا معذبني"....
ها أنت وحدك بلا زحام الأرض. فاعثر على جملك الموسيقية في حضرة الهدوء. أما نحن، فسنقف على عتبة باب كان له "قمران"، وننتظر الليل. لكنّ هذا الليل "كلّو أحزان وقناديل". طويل، طويل.. ألم تخاطبه يوماً قائلاً: "يا همّ الليل بكرا لو رحنا، يا همّ الليل وضاعت مطارحنا"؟
ورحت أيها المبدع... رحت بهدوء أبيت أن تعقد معه صداقة طوال 74 عاماً، فملأت الدنيا صخب المجد. بجنون، حييت، وغنيّت، وغضبت، وسألت، وبكيت وضحكت وشتمت وصليت. ومثل نجمة تسطع، بهدوء، في سماء صافية... مشيت.
و"راح الليل ووجك بعدو هون. راح الليل وصوتك بعدو هو. وخيالك هون ووجّك هون وصوتك هون"... لكن فلتعلم يا من نأبى أن تسافر، أن جروحنا "ما بيشفيا النسيان"...
إلى اللقاء ملحم بركات. اليوم بالذات، تتهاوى كلّ الألقاب أمام اسمك الخالد. ذات مرّة قلت: "وحدي انا رح ابقى وحدي ماشي انا ماشي لوحدي والسما على طول... باقي هون مهما العمر يطول"... وصدقت!