"هكذا يولد الحنين من كلّ حادثة جميلة، ولا يولد من الجرح. فليس الحنين ذكرى، بل هو ما ينتقى من متحف الذاكرة. الحنين انتقائي كبستاني ماهر، وهو تكرار للذكرى وقد صفيت من الشوائب". لم يكتف الشاعر محمود درويش بهذا التوصيف لتعريف الحنين (في حضرة الغياب)، فتابع يقول: "الحنين وجعٌ لا يحنّ إلى وجع. هُوَ الوجَع الذي يُسبّبهُ الهواء النّقي القادم من أعالي جبل بعيد، وجع البحث عن فرح سابق. لكنّهُ وجعٌ من نوع صحيّ لأنّهُ يُذكّرنا بأنّنا مرضى بالأمَل... وعاطفيّون"!
قد تكون هذه الكلمات الأفضل لمحاكاة صفحة "نوستالجيا" واسمها وهدفها والدوافع الكامنة وراء إنشائها على موقع "فيسبوك". الشوق إلى ماض جميل، رومنسية تصيب الجميع، لكنه عند البعض يستحيل شغفاً، هواية، رسالة، نحتاً لمستقبل بإزميل الغابر. هكذا هو الناشط الحقوقي عماد بزي، تشدّه ومضات الأيام التي مشت، فلا يقاوم بل يمشي مستسلماً إلى سحر الذكريات، ويحقق الإنتصار.
كان ذلك في العام 2011 حينما دفعه "الحنين" الذي يعايشه إلى إنشاء صفحة على موقع "فيسبوك" لنشر ما يحويه أرشيفه في المنزل. سوف يكون اسمها "نوستالجيا" وستوضع في متناول الجميع.
الحديث عن محتويات "نوستالجيا" وفكرتها ليس كتصفحها. كيف يمكن "صفحة" أن تختصر "كتب" التاريخ؟! بالصوت والصورة والتسجيلات المرئية والكلمة، تحاول نوستالجيا استعادة اللحظات والأحداث والإبداعات وكلّ ما كان في ذلك الزمن الجميل في مختلف الميادين: صورة لقطار يمرّ فوق جسر الفيدار على "سكة دولة لبنان (س.د.ل) 1948 ". مطار بيروت الدولي في الستينيات. ترامواي رقم 2 في فرن الشباك- المنارة (محطة شارع ويغان. بيروت 1962). طريق عام جونية - المعاملتين 1936 ويظهر أحدهم على ظهر الحمار.
تتعدّى ذكريات ذاك الزمن الحلو الحجر والأرض. صورٌ وفيديوات قديمة تحاكي الفن، الرياضة، الإعلام، الطبّ، المجتمع...باختصار، انه لبنان. تُطالعنا على صفحة "نوستالجيا" "صورة نادرة للعرض الافتتاحي لفيلم سفر برلك في سينما روكسي (وسط بيروت)". صورة أخرى في استوديو بعلبك لـ"عاصي الرحباني يعزف على البزق و فيروز تدندن". ثمة " رسالة بخط يد الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة للنادي الأدبي ورئيسه أديب جرجورة (22 نيسان 1935)" تردي المتصفحين أسرى "خطّ" قاد النهضة الفكرية والثقافية في لبنان، بل في العالم. ماذا بعد أكثر؟! فيديو نادر جداً لجبران خليل جيران يدخن سيجارة اثناء اجتماع الرابطة القلمية في نيويورك عام 1929. يبدو سعيداً، هو القائل "التدخين بالنسبة لي هو متعة وليس عادة مستبدة".
في المجموعة التي تستقبل بشكل متواصل "ذكريات" جميلة "مؤطرة" بصورة فوتوغرافية أو فيديو، أيضاً إعلانات قديمة كانت تُعرض على المحطات اللبنانية، وأغلبيتها تستحضر طفولة المتصفحين، فتفيض مشاعر الحنين. "شو بطاريتك، رييوفاك"، "تاترا تاترا حليب بقر صافي"، "مع نيدو كبرو الولاد الزغار"، وغيرها. قفزة أوليفير غريّب عن صخرة الروشة، شارات مسلسلات قديمة، أغان، مسابقات ومقتطعات من أفلام...
المحتوى بحسب بزي، أتى من عدّة مصادر. يقول في حديث لموقع "لبنان 24" أنه بدأ بنشر ما يملكه في أرشيف المنزل، وما تمكن من استخراجه من "كاسيتات" راح يبتاعها من الأسواق الشعبية ويعمل علىى تحويلها "ديجيتال" بواسطة معدّات "بدائية". ما إن حطّت هذه الصور والفيديوات على "منبر فيسبوك"، لاقت استحساناً وتفاعلاً بحيث بدأ المستخدمون يعيدون نشرها ويتداولونها ويدلّون بعضهم بعضاً عليها. "بدا واضحاً أن "نوستالجيا" نجحت في إعادة ذكريات جميلة، وهو أمرٌ قوبل بتجشيع ملحوظ من المواطنين الذين بدأوا أيضاً بتزويد الصفحة بما يملكونه من محتويات مماثلة في منازلهم". وإذ يقرّ بزي بأن بعض المنشورات على الصفحة يمكن إيجادها على الانترنت (يوتيوب وغوغل)، يؤكد أنّ بعضها في المقابل لم يكن منشوراً في مكان، ولا حتى على التلفزيون، وأروعه فيديو نادر جداً لرائد الأدب اللبناني ميخائيل نعيمة (ناسك الشخروب) 1889 - 1988 قبل ثلاث سنوات من وفاته، وتظهر في الفيديو مي نعيمة، إبنة أخيه نجيب التي إهتمت به حتى يومه الأخير، ويقول نعيمة: "يقولون أن عمري 96 سنة، وهذا تمويه، لأن عمري يتصل بالأزل، ويتصل بالأبد". مع الوقت، تخطّى عدد المتابعين خمسين ألفا، فصار لا بدّ من تطوير المشروع.
مشروعٌ ليس لعماد بزي رغم انه من فكرته وإدارته ونتاج جهوده، بل لجميع الناس. يشرح ذلك:"الهدف من "نوستالجيا" هو إعادة بناء ذاكرة جماعية لبنانية ترتبط بالفرح، لا بالحرب. حين نقوم بتذكير المواطنين باللحظات الحلوة الغابرة، فنحن لا نقول لهم انسوا الحرب وكأنها لم تكن، بل نحاول أن نقول أنه كان ثمة محطات حلوة ومضيئة أيضاً، وهي التي تجمعنا".
حقبة الحرب شبه غائبة عن "نوستالجيا" التي ترفع شعار "ذكرى الأيام الحلوة". قليلٌ من الصور التي تبعث برسالة واضحة:" لكل من يدرك قيمة الاستفادة من عبر التاريخ"، وأخرى تبيّن ومضات فرح حتى في عزّ الدمار.
يعتبر بزي أن تفاعل المواطنين الإيجابي مع المنشورات على الصفحة إنما هو مقاربة لبناء نوع من جسور السلام والمصالحة التي لم تحصل في لبنان بعد الحرب. هذه الأخيرة برأيه كانت سيفاً قطع حبل الإبداع اللبناني المزدهر في الفترة التي سبقتها، وهي بذلك محطة فاصلة بين لبنان الزمن الجميل ولبنان الحالي الذي يسود فيه الحقد والكراهية، وتضيع فيه كتب التاريخ.
تناقض فكرة "نوستالجيا" اذاً الحرب، لو انها مرتبطة بها بشكل غير مباشر. إنها تدعو الى السلام الذي سوف يبني مستقبلاً.
يؤكّد بزي أنّ تنفيذ هذا المشروع على منصّة فيسبوك تحديداً كان مقصوداً لأنها متاحة أمام الجميع، وهي الأسهل من حيث عملية التشارك والتفاعل. يُخبر أن أحد المستخدمين اكتشف مشاركته في إعلان "تاترا" بعد مشاهدة الفيديو. آخر استطاع التعرّف من خلال صورة تظهر بيروت، على سيارته التي كانت هدية من والده.
لعلّ أكثر ما يلفت في مجمل هذه الفكرة، هو وضع أرشيف في متناول الجميع، مجاناً. برأي بزي، معظم الأرشيفات في لبنان مسجونة في مؤسسات خاصة، ويتطلب الوصول إليها دفع تكاليف معيّنة. هنا، الذكريات الحلوة للجميع، والحفاظ عليها مسؤولية جماعية.
لذلك، كان لا بدّ من حملة تدعو إلى تمويل جماعيّ من أجل إنقاذ تراث لبنان المرئي وذاكرة البلد الجماعية. يشرح بزي:"ما يزال في الأرشيف الذي في حوزتنا الكثير للإفراج عنه، بيد ان هذه العملية تتطلب شراء معدات تحميض لتحويل الأفلام القديمة الى نسخ ديجيتال، إضافة الى شراء المزيد من الأفلام الأرشيفية وتكاليف الإعلانات على فيسبوك..."
قيمة التمويل المطلوبة تبلغ 8000 دولار أميركي، وعملية التبرع تتمّ عبر منصّة ذومال. هذا الموقع الذي يصفه بزي بـ "الإبداعي" يعمل على دعم المشاريع المبتكرة والابداع في العالم العربي من خلال إتاحة الفرصة أمام الأشخاص لطلب تمويل جماعي لمشاريعهم، فاذا ما تمّ جمع المبلغ المطلوب يحصل صاحب المشروع عليه، وفي حال لم تكتمل القيمة فإن الأموال تعاد إلى المتبرعين. إنها اذاً وسيلة تضمن الشفافية والمصداقية، وقد اختارها بزي من أجل ذلك وبهدف الإضاءة على هذه الفكرة الجديدة والابداعية في عالمنا العربي البعيد نوعاً ما عن "ثقافة" التمويل الجماعي.
قد يكون من الاستعجال السؤال عن الخطط المستقبلية والطموح والأحلام، لكنّ بزي يعترف بأنه يرى "نوستالجيا" حالياً "مكاناً يجمع الناس"، وهي في المستقبل " مكتبة الكترونية تجمع اكبر كم من المحتويات التي تدعو الى الفرح".
وفي هذه الرحلة، سوف يُرحب بكل التحالفات والشراكات مع المجتمع والمؤسسات الرسمية والوزارات المعنيّة، في سبيل تطوير هذا المشروع الذي سيبقى للأجيال القادمة.
ماذا بعد؟!
سوف يُصبح ارتكاب الحنين إدماناً. انسلاخاً من واقع الى ماض ومنه عودة إلى مستقبل أكثر إشراقاً وقدرة على جمع الناس حول الفرح....