تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

فنون ومشاهير

"فلّ بكير"... ومشى الوطن

ربيكا سليمان

|
Lebanon 24
21-06-2017 | 02:33
A-
A+
"فلّ بكير"... ومشى الوطن<br/>
"فلّ بكير"... ومشى الوطن<br/> photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
ما زال عاصي الرحباني حاضراً، مع أنّ الوطن غاب. معادلة مستحيلة، خيالية، اشبه بـ "راجح". لكن، يا لبؤسنا، غدت حقيقية. كيف يمكن أن يحصل ذلك؟ كيف يمكن أن يحصل هذا المستحيل، وجميعنا مؤمن بأن "الثالوث" الرحبانيّ (عاصي، منصور وفيروز) قد ابتكر وطناً نعيشه ويعيش فينا، واسمه لبنان؟! نتحسس هذه المعادلة الموجعة اليوم، بل نستفيق عليها في الذكرى الـ 31 لغياب العملاق عاصي الرحباني. نسينا، أو تناسينا، أو تجاهلنا، أنّ في رثائه، قال الشاعر نزار قباني: "عاصي الرحباني، هو آخر الأشياء الجميلة في حياتنا .هو آخر قصيدة ، قبل أن ندخل في الأمي، .وآخر حبة قمحٍ ، قبل أن ندخل في زمن اليَبَا، .وآخر قمرٍ، قبل أن تهاجمنا العُتْمَة، وآخر حمامةٍ تحطُّ على أكتافنا .. قبل زمن الخراب، وآخر الماء قبل أن تشتعلَ الحرائق في ثيابنا، وآخر الطفولة .. قبل أن تسرقَ الحربُ طفولتنا" . وحتى الساعة، أبينا أن نقرأ بين السطور ما لم يكتبه "القباني": عاصي الرحباني...هو آخر الأوطان. من انطلياس الى المنيبيع بين بكفيا وضهور الشوير، ومن "مقهى الفوار" و"نادي انطلياس" الى بعلبك وبيت الدين والقدس وأصقاع الأرض، سافر عاصي الرحباني، يداً بيد مع منصور وفيروز، ولم يفترقوا يوماً، وفي يد كل منهم إزميل ينحتون به خارطة وطن، وتاريخه وكيانه وهويته وقيمه وناسه، حدّ أن جاوره القمر. لم يكن ذاك اللبنان، بسهوله وجباله ووديانه وبحره، سوى جسر عبور، بكلّ ما يحمله من حلاوة وبشاعة، للوصول إلى لبنان الجمال الخالص. لذا، كانت الطبيعة حاضرة بجمالياتها وقدسيتها وبراءتها وصلابتها في أعمالهم. ولذا، كانت هموم الناس محور الاهتمام، وصارت مخاطبتهم الهدف والأساس. يقول الراحل الكبير أنسي الحاج في " تداعيات حول عاصي الرحباني " واصفاً عاصي الفنان : "إرادة جبّارة جعلت ناس الورق يحلّون في المخيّلة الشعبيّة محل ناس اللحم و الدم، فصار الواحد يظنّ نفسه أو يتمنّى أن يكون ظلاً لناس الورق هؤلاء. إرادة جبّارة نفخت روحها القرويّة في العالم العربي كلّه زراعة فنيه، على أجنحة صوت فيروز الاستثنائي، شكلاً جديداً من أشكال الشغف". ترعرع عاصي ومنصور بين الكروم والبساتين، وظلاّ ملتصقينً بالأرض فحملاها معا في النوتات والكلمات ووجوه الممثلين. "الانسان جزء منو هي أرضو، وبلادو هي الأم الحقيقية تبعو"، كان دائم الترداد. ولعلّ أجمل تجليّات الظاهرة الرحبانية بأقانيمها الثلاثة، هو ارتباطها بالوطن: بماضيه وقد تجلّى ذلك في "بناء" الفولكلور اللبناني وفي "البناء عليه فناً ذا ملامح عالمية"، بحاضره إذ حلّ ضيف شرف أو ركناً أساسياً على أغلبية الأعمال، وبمستقبله ذلك أنّ الأخوين الرحباني كانا سابقين لعصرهما. لقد صنع عاصي الرحباني مجداً عصيّاً على التقليد، بل قل على التكرار. "الانسان ما بيقدر يعدي الناس بالابداع او يشرحلن بالمنطق كيف يبدع"، إحدى "فلسفاته" الإبداعية. ومع هذا، بقي طيلة حياته مصرّاً على نقل هذه "العدوى"، فكان "يتدخل" في كلّ التفاصيل فلا يقبل بحركة يد واحدة يقوم بها مطلق أي مشارك في عمل فنّي، لا تحاكي الصورة المرسومة في دماغه. حتى مع فيروزته كان قاسياً ومتطلباً. لكنّ "الديكتاتور" على حدّ وصف سفيرة لبنان إلى النجوم، كان يعبّر بذلك، معها وحدها وتجاهها، عن ذروة إيمان بقدراتها وإمكاناتها وموهبتها الفريدة من نوعها. كانت "ديكتاتورية" خلّاقة، كيف لا وهي انضباط ونظام؟! تقول الأيقونة فيروز: "حبيت صور عاصي ومطارحو ودخلت عليا وما عاد فيّ اطلع منا...وصارت هيّ عالمي". لقد أدخلها "الديكتاتور" مملكة الجمال التي خلقها، فاستحالت تلك المملكة فردوساً سرمدياً... وظاهرة الرحابنة هي فعلاً سرمدية. نعرف البداية ولا نعرفها. نعرف النهاية ولا نعرفها. تقول السيدة فيروز:" "كانت زيارتو ع الدني شغل وتعب وزرع هالجمال...تركلنا جمال كثير وفلّ بكير". والجمال في عالم عاصي الرحباني، إعجاز ولغز ومهنة وشغف. "ما فش شي احسن من كل شيء في الأرض". هكذا رأى الجمال في كلّ شيء. وعليه، لم يكن يحبذ المفاضلة. "الأغاني أزهار"، كان يقول، لكنه لم يكن ليغازل وروداَ غير مكتملة وغير كاملة. والكمال هو الإمعان في الابداع والخلق. وقد كان عاصي يرتقي إلى الكمال، هو الذي اعتبر أن الآلات الموسيقية مثل الألوان، "من مجموعة الألوان بتألف سمفونية اللون والصورة، ومن مجموعة الآلات بتألف العمل الموسيقي". اليوم، نحيي ذكرى رحيل العبقري عاصي الرحباني، ومعه نتذكر منصور، الذي قال يوم وفاة "العاصي"، اليوم حطيتو نصفي في التابوت، ونحتفل بـ"عيد الموسيقى" وعيد الأب ونستقبل الصيف في اليوم نفسه. ليست المصادفات عن عبث. فهو، أب الموسيقى والمسرح، وهو صيف تفوّق على كلّ الفصول. لقد ابتكر عاصي ومنصور وفيروز وطناً. حوّلوا الأغنية ترنيماً، بل الهاً يتضرّع له الناس. لقد طوّر الثلاثي الفكر الإنساني. البشرية. الإنسانيّة. فمن قال انّ عظماء العلوم والفلسفة والمخترعين هم وحدهم فعلوا ذلك؟! في الحقيقية، تفعل الموسيقى، بل الفنون كلّ ذلك وأكثر. فهي أصلاً أمّ العلوم ومهد الفلسفة واختراع ربانيّ أهدي للخلق كي يطوّره ويتطوّر به. وهم أصلاً عباقرة وفلاسفة وعلماء...وأوطان! منذ 31 عاماً، رحل عاصي اثر "انفجار في الدماغ". عبقرية لم يحتملها كائن من التراب وإلى التراب يعود. عبقرية لم يحتملها وطن، فبقيت هي...ومشى الوطن!
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك