تحت عنوان "ورد جوري".. بستان من الإبداع، كتب جوزف طوق في "الجمهورية": ليس ضرورياً أن تكون الهدية من الْماس أو الذّهب حتى تكون ثمينةً ومعبّرة، فأحياناً تكون الوردة أصدقَ تعبير عن عمق المشاعر وجمال النيّات ولسان الحال. وهكذا جاءنا مسلسل "ورد جوري" في الموسم الرمضاني هدية فنّية لبنانية، فتمكّن أن يخترق الأنماط الدرامية المعلّبة ويقدّم لنا تعبيراً واضحاً عن مدى براعة الممثلين والتقنيين اللبنانيين على وجه الخصوص، ومقدار الإبداع الذي يمكن أن يقدّموه متى توافرت لديهم الموارد الضرورية.
قصّة المسلسل بدأت مختلفة جريئة وطامحة، فسمّرتنا قبل أن ترخي قبضتها رويداً رويداً مع تقدّم الحلقات وتشتّت تركيزها من الموضوعات الإنسانية إلى قصّة الحب بين البطلين.
وبعد أن كانت جوري (نادين الراسي) ومالك (عمّار شلق) يلعبان دورَين ثانويَّين في البداية، إستحوذا لاحقاً على اهتمام البروجيكتورات والكاميرات فضاعت قضية الاغتصاب ومعها كل القضايا الأخرى، مثل مسألة الخارجين من السجون برهوم (غابرييل يمين) ومعضلة اندماجهم في المجتمع وبحثهم عن عمل ولمّ شمل عائلتهم، وتصوير المجرمين السابقين أناساً طبيعيين قادرين على مشاركتنا حياتنا، هذا بالإضافة إلى قضية العائلات الفقيرة والغنيّة، والتناقض المادي بينهما وأيضاً الاجتماعي والتربوي والأخلاقي، وأيضاً قصّة المحامين والقضاة ورجال الأمن وفساد بعضهم الذي يمكن أن ينهي حياة بريء ويرسم حياة مجرم بحفنة من الدولارات... كلّها قضايا كانت بحاجة لمعالجة أعمق بعيداً من رواية الحبّ، وكانت قادرة أن تقدّم عملاً يخرق الأنماط المعتادة.
نادين الراسي وعمّار شلق قدّما قصّة الحب الدرامية المعتادة، التي لم تتطلّب منهما قدرات تمثيلية وإبداعية فائقة، وأبقتهما في الخانة نفسها التي عرفناهما بها سابقاً، ولكنّ الممثلين الآخرين أبدعوا في تجسيد أدوارهم التي امتلأت تعقيداتٍ، مثل ميرنا (رولا حمادة) التي بدأ دورُها بسيطاً وهامشياً وغير مؤثر، ثم أخذ في التطوّر مع الحلقات وازداد حدّةً حتى أصبح محور الحلقات الأخيرة قبل أن تقدّم لنا لوحةً تمثيلية بارعة في دور المجنونة.
وإلى جانب رولا، هناك الاكتشاف الرمضاني الأبرز، الفتاة المغتصبة والمحور الأساسي للمسلسل روان (ستيفاني عطالله) التي أعطت كلّ ما لديها منذ مشهد الاغتصاب في الحلقة الأولى وحتى مشهد الثورة والصراخ في الحلقة الأخيرة، فقدّمت أداءً تمثيلياً مميَّزاً وأقنعتنا في كلّ مشهد بنظراتِها وضحكاتِها وحركاتِ جسدها وشعرِها لدرجةٍ أنّ المسلسل كان يستحقّ أن يكون إسمُه «قصّة روان».
وكلّما تاه المسلسل في قصّة الحب وأفقدنا شهيّتنا، يطلّ برهوم (غابرييل يمّين) ليذكّرنا بأنّ هناك سبباً أكبر لمتابعة المشاهدة، إن للاستمتاع بأدائه الجبّار في التلاعب بتعقيدات شخصيته أو للإنغماس أكثر في قضيّة المجرمين وقدرتهم على الإندماج في المجتمع، فكان التشويقُ الأكبر يدور في فلك قصتّه مع أولاده وزوجته.
ومثله أيضاً أسعد رشدان، الذي جسّد دورَ الأب الشرقي المتصلّب، وعرف كيف ينتقل من حنّية قلبه إلى قساوة فكره بأداءٍ تمثيلي حقيقي وموجع، فأقنعنا بكل جملة وكل تعبير. ولعلّ قصّةَ الحب الأبرز في العمل هي بين وليد (رودريغ سليمان) ومدام أنجيل (انطوانيت عقيقي)، ولكنها لم تكن مكتملة بل مقنعة بأداء الإثنين اللافت والذي يستحقّ الثناء لكثرة ما فيه من طبيعية في الأداء والتعبير.
وفوق رقص الممثلين في بساتين الإبداع، تأتي التحفةُ الفنّية للمخرج سمير حبشي، الذي راقص ممثليه وأوجاعَهم وضحكاتِهم وتعابيرَهم النفسية والجسدية في كلّ لقطة ومن كل زاوية ممكنة. لم يوفّر حبشي تقنيّة تصويرية إلّا واستخدمها، فلم تهدأ كاميرتُه أبداً وأمتع أعينَنا بحركاتها على الأرض ومن الجوّ، ووطّدت تقنية Bird›s Eye View Shot العلاقة بين المشاهد وجغرافيا المدينة التي تعيش فيها الكاراكتيرات، قبل أن يسقط بالـ"Louma" أو الـ"Steady Cam" أو الـ"Chariot" إلى داخل عوالم شخصياته ويدمجنا بحالتهم التمثيلية.
وحتى مع قصص الحب التي نهرب منها، كانت تقنياتُ سمير حبشي وأداؤه الإخراجي هما ما أبقيانا معلّقين بالعمل بسبب حركة الكاميرا التي تخطف الأنفاس.
وعلى رغم بعض الملاحظات، كان مسلسل "ورد جوري" بستاناً من الإبداع على مستويات عدّة، وفتح الباب أمام شهيّة المشاهدين على المزيد من التنويع في النصوص والابتعاد من قصص الحبّ ومعالجة الصادم والموجع معاً.
(جوزف طوق - الجمهورية)