في ميدان سبق الخيل الذي ينطلق في مئويته الثانية ليستحيل صرحاً تاريخياً تحضنه بيروت، وفي الفترة الممتدة من 28 حزيران الى 5 تموز، "يتبعثر" الزمان والمكان على مدى ساعة ونصف. من فوهة دائرية في الأعلى، تُطلّ سماء صيف كحلية تغزوها ومضات ملوّنة، لكنها لن تساعدك على تحسس الحدود، لا الجغرافية ولا الوقتية، فتتوه من جديد في فضاء سرمديّ. ماذا يحصل؟ وكيف يحدث كل هذا؟!
حسناً، أنت في"رحلة عبر الزمن". في العموم، مثل هذه الرحلات في العام 2017 تبدو نادرة، بل صعبة التحقيق. ولكي تنجح، تسلتزم طائرات حلّقت في أصالة التاريخ ومضت تسابق المستقبل، تماماً كأسطول الـ"ميدل إيست"، الناقل الوطني اللبناني. تستلزم إيماناً بالمواهب الصاعدة، بمجد الوطن ولغاته الإبداعية، بتحدّ وجهود ما انفكّت "مهرجانات بيروت الثقافية وبلدية بيروت" تخوضها أولاً وآخراً، مدينة تُدعى بيروت...
الرحلة الأولى (رحلة عبر الزمن) انطلقت أول من أمس (الأربعاء) داخل مجسم عملاق يتسع لنحو 2000 شخص، في عرضٍ يمتد خمسة أيام وهو جزء ثانٍ من رواية بيروت التي عرضت في الدورة الأولى صيف 2016 من "مهرجانات بيروت الثقافية"، وبالروحية نفسها ولكن مع التركيز على فصول أخرى من قصة العاصمة.
لكنّ الدورة الثانية من المهرجانات لا تقتصر على فاعلية السفر في تاريخ بيروت وتخليد ذاكرتها بتقنيات حديثة وحسب، بل تتضمن أيضاً مشهدية "ألوان بيروت" (من 3 الى 5 تموز) وهو عرض بالرسوم المتحركة من إنتاج لبنانيّ، يُعرّف الأطفال على جمال مناطقنا وروعة تراثنا بأسلوب يناسب أعمارهم. ويتضّمن البرنامج كذلك "فانتاستيك فيلادج" (من 28 حزيران وحتى 5 تموز) بحيث سيتمكن الزائرون من الاستمتاع بالكثير من الأنشطة الرياضية والترفيهية، بالإضافة إلى مساحة لأكشاك المأكولات.
وبالعودة إلى "رحلة عبر الزمن" التي استقطبت أمس الخميس أيضاً حشوداً غفيرة من مختلف الأعمار، فأقلّ ما يقال فيها انها "رائعة".
في ميدان سبق الخيل الذي يعجّ بالناس وضحكات الأطفال، تقودك آنسات يرتدين زيّ مضيفات شركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية ناحية المجسّم الدائري العملاق الذي يحاكي بوابة الإقلاع في المطار. تصعد الدرج وكأنك تصعد طائرة حقيقية، وفي الداخل تُبهرك الشاشة التفاعلية العملاقة التي دخلت موسوعة غينيس الأسبوع الماضي كأكبر شاشة عرض مجسّم ثلاثيّ الأبعاد في العالم. نوافذ الطائرة المعروضة على الشاشة الملتفّة حول المسرح، تُعزز استعدادك للتحليق. دقائق معدودة ويبدأ عرض غير عاديّ، ذلك أنه يجمع في آن المشاهد التمثيلية والراقصة، العزف والغناء الحيَّين، والحكاية المروية بأحدث التقنيات السمعية والبصرية.
العرض الذي يروي قصّة بيروت وتاريخها من خلال عَينَي مغترب لبناني يزور بلده الأم للمرّة الأولى تنفيذاً لوصيّة والده، يبدأ من الطائرة التي تُحلّق على وقع موسيقى تُشعرك بأنك لامست السماء FLY OVER LEBANON من جديد غي مانوكيا. من علو، ترى لبنان "قطعة السما" ببيروته وبعلبكه وأرزه وبحره وجباله وسهوله، وحينما تحطّ الطائرة على أرض العاصمة، تكاد ترقص على أغنية "طلوا حبابنا".
بعد جولة "مغّناة" على احياء بيروت ومناطقها، تصل سيارة "التاكسي" إلى ساحة النجمة. ساعة البرج المنتصبة في وسط المسرح، "شاهدة على كل تاريخ بيروت، بتعرف خبار كثير وساكتة بس يا ويلك اذا حكيت"، يصفها النصّ السردي الذي ابدع الفنان الشامل جورج خباز في كتابته ليرافق العرض من بدايته وحتى نهايته، كما ابدع في التعليق هو، والرائعين عمر ميقاتي وجوزيف بو نصار.
ومن تلك الساعة، يسافر المغترب في تاريخ بيروت وحلوّها ومرّها ومجدها وسحرها وعنفوانها. "تحتك يا بيروت في سبعة بيروت"، يأخذك المشهد إلى المدينة الغارقة في بحر "أحبّها حتى ابتلعها"، على وقع موسيقى رافقت العرض كلّه، فاستحالت بحدّ ذاتها حكاية أخرى. إنها أنامل شاب تسكنه الموسيقى. "غي مانوكيان" راح يُحلّق في فضاء النوتة والنغمة حدّ أن نسي الوقت وأكمل العزف بعفوية وابداع حتى بعد انتهاء العرض. نعم، الموسيقى كانت بحدّ ذاتها أسطورة، ملحمة، منها ما ألّفها مانوكيان خصيصاً للحدث ومنها ما يعود إلى أغنيات تراثية خالدة، وقد قدمتها الأوركسترا بقيادة إيلي العليا بفائض من الابداع والرقيّ.
تستمرّ المشهدية الرائعة لتنقلك من بيروت ما تحت البحار إلى المدينة التي تخرج من الأعماق منتصرة. عودة إلى عام 630 وحوار مع المير فخر الدين المعني الكبير، لم يخل من لمسة خباز الفكاهية والساخرة. يوصي "المير" بالانتباه على الوطن وعلى جيشه، فتصدح وترقص مع مجموعة من الشباب أدّت عروضاً راقصة "تسلم يا عسكر لبنان". يُطلّ عليك رجال التاريخ والسياسة، فيسألون عن الأحوال والاستقلال. بيروت الفنّ لا تغيب، رغم كبارها الذين راحوا بوجع. وقفة مع فنانين وفنانات حفروا على جدران منازل "ستّ الدنيا" بصمات خالدة، ورسالة مبطنّة تدعو الى الاهتمام بمبدعي عصرنا. أغنيات للراحل الكبير زكي ناصيف تعيدك إلى بيروت "احلى زهرة"، وفي بستان هذه المدينة وقفة مع فوز جورجينا رزق بلقب ملكة جمال العالم.
تتغيّر الصورة فجأة. ألسنة النيران ترتفع، وبيروت صارت مقسمّة بين شرقية وغربية. هي حقبة الحرب التي أوجعت الحاضرين، واستحضرت الدموع على عجل. "من قلبي سلام لبيروت"...كاد الحضور يقف مصفقاً، مُستعجلاً السفر إلى عصر إعادة الإعمار. تعود إلى ساحة النجمة. ترتسم الأشجار الخضراء أمام مبان انتصرت على الدمار. بيروت تمتهن "القيامة"، لكنّ النص اختتم بكلمتين تفضحان القلق الدائم من مجهول غادر:"انتبهوا على بيروت"!
يعود الجميع إلى الحاضر. إلى بيروت رسالة الثقافة. في الخارج، الجميع يصف العرض بـ "الرائع". التحيّات تنهمر على مانوكيان الذي عبّر عن سعادته القصوى بالمشاركة في هذا العرض، قائلاً لـ"لبنان 24": "لقد كانت تجربة موسيقية جديدة وبمثابة تحد أخوضه في سبيل تقديم الأفضل دائماً".
وإذ رأى مانوكيان أن هذا العرض أتى بمفهوم جديد من حيث الشاشة الضخمة والأوركسترا، أشار إلى انه قام بتسجيل عدّة معزوفات في الخارج، وقد أتاح هذا الحدث أمامه فرصة تأليف الموسيقى التصويرية التي تستهويه جداً والتي سيعمل في المستقبل على تأليفها لأفلام في الخارج".
يُذكر أنّ صاحب فكرة مشهديتَي "بيروت رحلة عبر الزمن" و"ألوان بيروت" ومخرجهما هو المدير التنفيذي لشركة Its communication داني الجرّ، وتَولّت 3d Mapping Factory بقيادة إميل عضيمي تنفيذ العرض البصري.