هو فنّان "القضية" على الرّغم من أنّه لا يحبّ إطلاق الألقاب وتوزيعها لا على السياسيين ولا على الفنّانين، لكنّه يؤمن بأنّه على الإنسان أن يترك بصمة تميّزه في ميدان عمله، وإلا فلا قيمة لأي عمل يقوم به، وإن ينطبق هذا الأمر على أحد فهو ينطبق بالتّأكيد على الفنان أحمد قعبور، وهو الذي رسم خطاً فنياً بيانياً يكاد يسير به وحيداً منذ البدايات وحتّى اليوم. وبصمة قعبور هي أنّه تبنّى القضايا الإنسانية والمحقّة، قضايا العدل والتحرّر، قضايا النّاس التي تريد العيش بكرامة، بداية من قضية فلسطين التي وُلد فنّه من "نكستها" عام 67، وصولاً إلى نكسات لبنان التي تتوالى والتي بدورها تبدأ ولا تنتهي.
في حوار مطوّل معه، تحدّث قعبور لـ"لبنان 24" عن القضية الفلسطينية وتحرّر الإنسان، عن العرب واليسار، عن مسيرته الفنية التي لم تتزحزح يوماً عن خطّها، عن لبنان و"بيروت مدينتي" والتغيير والنيابة، وعن جديده الفنّي المنتظر قريباً.
هزيمة لا نكسة!
يروي قعبور كيف أنّ القضية ولدت معه منذ ما يعرف بـ"نكسة الـ 67"، ويقول: "منذ البداية كنت أشعر أنّ معنى وجودي الأخلاقي والإنساني وليس فقط المهني هو أن ألحّن وأغنّي وأكتب، وقد تأثرت بلحظات ومحطّات عديدة في حياتي صنعتني وصنعت توجّهاتي الإنسانية"، مستذكراً اللّحظة الأولى في الـ 67 يوم كان طفلاً بعمر الـ 10 سنوات، ورأى والده يبكي بسبب ما سمّي بـ"النكسة" حيث قال له: "لا نكسة ولا بلوط.. هيدي هزيمة"، في إشارة منه إلى "أنّنا نحاول بألفاظنا التخفيف من مآسينا".
ويشير قعبور إلى أنّه "منذ تلك اللّحظة بدأ صعود وتوهّج القضية الفلسطينية يرافقني، لذلك وبعمر الـ 19 غنّيت "أناديكم"، وكانت أوّل نتاجي الفنّي وهي من أجمل "الورطات" في حياتي، وهي أوّل إطلالة لي على قضية بهذا الحجم لها صداها في العالم العربي والعالم وهي قضية فلسطين".
سبحة تكرّ
في سياق روياته لهذه المسيرة الغنية بالمحطات، يتابع قعبور قائلاً: "بدأ وعيي السياسي يتبلور، وبدأت تكرّ سبحة القضايا العامّة التي تبنّيتها والتي أخذت من سنوات عمري الكثير".
تعود به الذاكرة إلى العام 78 يوم غنّى "جنوبيون" بعد الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، و"يا نبض الضفة" تزامناً من الإنتفاضة الفلسطينية الأولى، و"يا رايح صوب بلادي" و"حقّ العودة"، كما أنّ هذه الأغاني ترافقت مع مجموعة كبيرة من أغاني الأطفال بخاصة لمناسبة شهر رمضان كـ"مرحة مرحة جيبوا الطرحة"، لـ"بيروت" و"علّوا البيارق"، وصولاً إلى عملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005، "كانت لي "صرختي" في أغنية "قولوا الله" لأنّ الناس كانوا يبكون بحرقة لكن أردت أن أدعو الناس لاستعادة نبضهم وينطلقوا من جديد"، بحسب تعبيره.
عن اليسار.. والاغتيالات
في السياسة يؤكّد قعبور أنّه لم يغنِّ أو يكتب أو يلحّن يوماً على ضوء الإيديولوجيا، بل لأجل القضايا المحقّة ذات البعد الإنساني والأخلاقي، وعن تصنيفه بأنّه "يساري" الانتماء، ثمّ اتهامه بأنّه انقلب إلى فريق 14 آذار بعد أغنيته نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، يقول قعبور: "إحدى مشاكلنا في لبنان هي أنّ البعض يعطون أنفسهم حقَّ تصنيف النّاس على أساس تقدّمي ورجعي، ويميني ويساري وهذا كان في هذا الخطّ وأصبح في الخطّ المقابل، موقفي واضح من مسلسل الإغتيالات الذي حصل منذ زمن في لبنان والذي كان الوزير الشهيد محمد شطح آخر عنقود فيه، وهو موقف أخلاقي وإنساني بغضّ النظر عن هوّية القاتل والقتيل، وهناك نقاش كبير في مسألة اليسار، فاليسار الذي نراه اليوم له علاقة بكلّ شيء من عدا اليسار، فمن يساند القاتل ويناصر الطغاة لا يستحقّ أن يكون يسارياً".
عن "بيروت مدينتي"
عن "بيروت مدينتي" يتحدّث قعبور عن تجربة خوض الانتخابات البلدية وترشّحه في لائحة "بيروت مدينتي" التي كانت تمثّل المجتمع المدني، فيرى أنّها كانت تحرّكاً طبيعياً في مسيرته، لافتاً إلى أنّها "تأتي في سياق أنّني أمتلك الحسّ النقدي لتصويب الأمور".
ويرى أنّه "في عالم السياسة لا يوجد شيء ثابت، فالسياسة هي كالمياه الراكدة وإذا لم تتحرّك فهي تتحوّل إلى مياه آسنة، وبترشّحي وإيماني مع "بيروت مدينتي" رميتُ حجراً في هذه المياه الساكنة وقد كان وقع الحجر كبيراً بتصويب بعض الأمور والقول إنّ المطلوب هو الشفافية والوضوح والمحاسبة والمساءلة، فمشكلتنا في هذا البلد أنّه لا أحد يقوم بمراجعات وكأنّهم "آلهة" فنادراً ما حدثت في هذا البلد أن يخرج إلينا أحد السياسيين ويتعرف بأنّه أخطأ، السياسة لا تستقيم إلا بتجديد نفسها وبالمساءلة والمحاسبة".
وعن تفاعل النّاس مع تجربة "بيروت مدينتي" يشدّد قعبور على أنّ "النتيجة كانت مدوّية"، كما أنّه لمس رغبة لدى الناس لفتح أفق سياسي جديد وأفق بلدي تحديداً، "لأنّنا كنّا في الإطار البلدي المدني، وقد تجلّت هذه الرغبة باعتراف السياسيين الذين حاول البعض منهم استثمارها وتبنّيها حتّى"، بحسب قوله.
من البلدية إلى النيابة؟
وعمّا إذا كان سيشارك في الانتخابات النيابية، يؤكّد قعبور أنّ "لبنان هو ساحة اختبار وتصفية الحسابات ولا يثق بأنّه من الممكن إحداث تغيير ما من خلال النيابة فقط بل هناك ساحات أخرى وقنوات للتغيير وإيصال الصوت"، كما أنّه لفت إلى أنّه لن يستطيع تكرار التجربة البلدية على الصعيد النيابي لأنّها ستكون على حساب انتاجه الفنّي، حيث يرى أنّ عمله الفنّي يمكنه المساهمة في إيصال صوته أكثر من النيابة. مضيفاً: "لا يمكنني أن أتخيّل نفسي مرشّحاً عن مقعد مذهبي".
جديده.. "لا تغيبي" و"تفاريح"!
في جديده الفنّي، يعمل قعبور منذ سنتين على ألبومه الجديد المكوّن من جزئين (30 أغنية) وهو من إنتاجه الخاص وسيصدر في خلال الخريف، وأطلق على جزئه الأول اسم "لمّا تغيبي" وعلى الجزء الثاني "تفاريح"، ويوضح أنّ "الألبوم يتناول عدداً من القضايا الإنسانية والعمر والانتماء بلغة فنية لا تشبه أبداً الكلام الذي نسمعه يومياً، كما أنّه يتضمّن مقاربة للقضايا العاطفية لكن على طريقتي".
وعن "لمّا تغيبي" يلفت قعبور إلى أنّها "أغنية موجّهة لامرأة سقطت في الحرب، فمن الصعب أن تؤدّي أغنية عاطفية وأنت بعيد عن الواقع، من حقّ الناس أن تفرح ولكن يجب مقاربة الأمور بواقعية على الأرض، فقصص الحبّ تولد من الأسى والحزن والمعاناة". أمّا "تفاريح" فهو عبارة عن موسيقى راقصة.
كما لحّن قعبور أغنية "لا ضلّيت.. ولا فلّيت"، بمناسبة اليوم العالمي للمفقودين، والتي أطلقتها لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، وهي من كلمات شانتال بيطار وكلمات سوسن مرتضى.