بهدوء و"بلادة" مصطنعة ترمي نور جسدها على الكرسي. تُلقي السلام بخجل. تردد الأسئلة التقليدية "كيفك؟ كيف الشغل..وكل شي؟". قبل الإنتهاء من الردّ، تعاجلني بالقول: "يلا..قولي شو بدك مني". لوهلة تتخيّل أن الصحافية الشابة ستُقفل الباب على أي نقاشٍ مُحتمل، وتُضيّق الخناق على عباراتها، فترميك بجملٍ قصيرة مستهلكة وجامدة. تُعدّل جلستها استعداداً للإستجواب. تأبى أن تترك الصحيفة من بين يديّها. تُداريها كمن يحتضن طفلاً. "القراءةُ فرض لا أتخلى عنه. في السابعة صباحاً موعد قراءة الصُحف، أما ليلاً فأنصرف لقراءاتي الخاصة" تقول بطلاقة. ومتى تُغنين؟ أسالها. بتنهيدة حادة، تُطلق نور صفي الدين العنان لروحها. تُجيب بسلاسة وصدقٍ ظاهرٍ من دون تكلّفٍ. تبوح بكل مافي نفسها المتقوقعة الغامضة، كأنها وجدت الأمان وسط ساحة حرب مليئة بزخات الرصاص. تبدأ نور بسرد علاقتها بالفن والغناء، عارجةً على مشوارها الفني الحديث العهد.
"أغني عندما أشعر براحة داخلية. كنت في السابق أغني من دون أن يسمعني أحد. أغني في وحدتي ولم أكن أعي أنني أملك مقومات صوتية جيّدة". الغناء نشوة الروح، فهو بالنسبة لـنور الطريق للهروب من الوجع والتعبير عنه في آن. تهرب ابنة الـ24 عاماً بصوتها من خيبات وآلام وأوجاعٍ كثيرة. لم تُدرك يوماً أن تلك الأوجاع ستكون ممراً يودي بها إلى ضفاف الإبداع.
نور صفي الدين، الكاتبة والشاعرة والصحافية والناشطة المتطوعة في الصليب الأحمر اللبناني، هي أيضاً مُغنيّة، تكتنز بالفطرة ملكة الفنّ وأصول "الدندنة" والغناء. لم تدرس نور الموسيقى، جلّ ما تلقنته هو تدريب للأوتار الصوتية في المركز الثقافي الروسي، إلا أنها اكتشفت في ذاتها الكاتبة والمُلحنة العاشقة للنغمات والمقامات والآهات.
في جعبة نور أكثر من 50 أغنيةً من كتابتها وألحانها. هي نفسها لم تكن تتخيّل أنها ستقدم على أي خطوة في مجال الغناء. تكتب نور لـتفُرّ من عالمها وذاتها. هي التي تجمع في شخصيتها الغامضة تناقضات كثيرة، جعلت من الغناء والموسيقى منصّة للتعبير عن كلّ ما يعجز لسانها عن البوح به. في أعماق الشابة الطموحة طفلة انكسرت عند وفاة اختها الصغيرة، ولم تسطتع إلى اليوم التخلص من هذا الجرح العظيم المفتوح على قساوة الرحيل وأحجية الموت والحياة. تقول نور: "خبر وفاة أختي ديما كان مثل الصاعقة. تبدلت أمور كثيرة في حياتي منذ رحيلها ولكنني إلى الآن أشعر أنها هنا. أتوقع أن تتصل بي في أي لحظة. لا أزال أعيش تحت صدمة الإنفصال عن الواقع. كيف يمكن أن يختفي أحدهم عنا فجأة؟ يجب أن نتحضر لاستيعاب الغياب على الأقل".
تضيف: "بالرغم من هول الألم الذي ينتابني جراء فقدانها، لم أذرف ولا حتى دمعة واحدة. كل مافي داخلي من أحاسيس أفرّغها بالكتابة والغناء". توجهت نور نحو الموسيقى والغناء بعد وفاة أختها. حولت وجعها إبداعاً عشقه كل من سمعها تُغني. مجموعة صغيرة من الناس كانت تعلم أن نور تملك صوتاً جميلاً، إلا أن الأمر انكشف عندما قامت بتحميل فيديو على حسابها على موقع "فيسبوك" تردد فيه كلمات واحدة من الأغنيات التي كتبتها.
تقول: "يمكن كل شي بيناتنا كان حِلم،
يمكن قلوبنا العشقاني فيها ندم،
يمكن مش مسموح نضل،
يمكن صعب إنو نفل،
حبيبي إنتِ حبيبي،
شو هالدني الغريبة،
يا عمري إنتِ يا عمري،
أنا ما بيطلع بأمري،
روحي وتركيني ولا تسألي.."
ماهي إلا ثوانٍ حتى انهالت التعليقات المُشجعة لـنور. طالبها أصدقاؤها بالمزيد من الأغاني، حتى كتب لها أحدهم في تعليق: "أطلقي سراح أغانيك الموضبة في الأدراج".
صُدفة تعرفت نور على غازفة البيانو غيدا كنيعو، وإثر توطيد الصداقة بينهما عزمتا على إنشاء فرقة قوامها التجربة، فاتفقتا على إطلاق أغنية من كلمات نور وغنائهما معاً. فكانت أغنية "قلبي منو معي" ثمرة التعاون الأول بينهما: "قلبي منو معي.. قلبي تركتو معا .. قدّ ما إلها ارجعي .. هالمرّة ما بتسمعا".
اُطلقت الأغنية على تطبيق "أنغامي" وسمعها أكثر من 14 ألف شخص. لم تتوقع نور أن تلقى الأغنية رواجاً واستحساناً على هذا المستوى، خصوصاً أنها تجربتها الأولى. تقول: "كان الأمر مفرحاً جداً، وبالطبع أفكر في أغنية جديدة خصوصاً أن في جعبتي العديد من الأغنيات التي أود غناءها. ولكنني لا أملك مشروعاً غنائياً، أي أنني لا أرى في صوتي مادة للاستثمار. بل على العكس إن ما أقوم به هو فقط لأنني من خلاله أعبر عن مكنوناتي".
تعتقد نور التي تعتزم اليوم عرض عدد من أغنياتها على النجم أدهم النابلسي، أن الأغنية القائمة على تكثيف المعنى في اختصار أكبر عددٍ ممكن من الكلمات تلبس القالب النفسي لكل مستمعٍ، وتفقد بالتالي الروحية التي أسكبها إياها الكاتب. تُصبح الأغنية ملك الناس بكل مافيها من مضامين وإسقاطات عاطفية ونفسية.
نور التي عاشت في كنف عائلة محافظة بعض الشيء، غنت لأول مرّة في حياتها أغنية "إنسا إنساني" للمطرب إيهاب توفيق. تضحك بعفوية وهي تتذكر طفولتها، لأنها لا تزال تحفظ كلمات الأغنية عن ظهر قلب إلى اليوم، على الرغم من أنها اكتشفت ذوقها الغنائي، فهي من عشاق هبة القواس وماجدة الرومي وجوليا بطرس وعبد الحليم حافظ.
إلى جانب مشاريعها الغنائية، تسعى نور إلى توقيع ديوانها الشعري الجديد الذي يحمل عنوان "حين تراكم الموت ولم يأتِ" في معرض الكتاب السنوي في بيروت هذا العام. وهو يُعدّ الديوان الشعري الثاني بعد الكتاب الأول الذي وقعته العام الماضي، وكان بعنوان "أردتك حين رحلت".
نور، الروائية والمغنية، تُغلّف في عينيها الكثير من الأسرار ولا سبيل لاكتشافها إلى عبر قاعدة واحدة وأكيدة: الكلمة.