إنّه الياس الرحباني، سليل العائلة الرحبانية العريقة، ومؤسّس المدرسة الموسيقية الثالثة، والمؤلف الموسيقي الذي شارك الموسيقيين اللبنانيين في جَعل لبنان بلد الاضداد والصراعات والقتل والدمار، بلد الحلم والإبداع والرقيّ شعراً وموسيقى. إنه البلد الجريح الذي يعاني ويصارع الموت، فمتى القيامة أيها الجريح؟
الياس الرحباني، هو المؤلف الموسيقي العالمي الحاصد جوائز عالمية في الموسيقى العالمية. فمنذ عام 1969 حاز أول جائزة عالمية في اليونان، حيث فاز على 40 دولة مع المؤدّي اللبناني "مانويل" بأغنية "انتهت الحرب". يومذاك سدّد "المعلّم" ضربة أصابت أوّل تيجان المجد في عالم الموسيقى والإبداع الفنّي الراقي.
لم يكتف الياس الرحباني بهذه الجائزة، بل تلاحقت الجوائز تباعاً، حيث حصد عام 1972 الجائزة الأولى أيضاً مع المؤدّي اللبناني الآخر سامي كلارك، الذي فاز بـ 3 جوائز أخرى معه، من تشيلي، إلى بلغاريا، إلى فرنسا. وللعنصر النسائي الإبداعي حصّة أيضاً، حيث فازت المؤدّية اللبنانية الـSoprano "باسكال صقر" بجائزة أولى أيضاً عام 1983 في أوروبا.
البيانو صوت الأرض
لم يكن الياس الرحباني يعلم أنّ هذا الولد، ابن انطلياس الذي تربّى على صوت البزق بين يديّ والده، وصوت البيانو للأخوات الأنطونيّات المتأتّي من ديرهنّ في انطلياس، أنّ هذا الصوت نفسه، أي البيانو، هو صوت آلة موسيقية ما. فهو يتذكّر وهو في عمر 3 سنوات من عمره، ويظنّ أنّ هذا الصوت هو صوت سماوي مُتآت من الطبيعة، فلم يدرك هذا الأمر حتى حان اليوم الذي دخل فيه غريبَين إلى منزله الوالدي، حاملين معهما صندوقاً من الخشب ظَنّه الطفل خزانة أو دُرجاً توضَع فيه ألبسة أو ما شاكَل؛ وما هي إلّا لحظات حتّى دخلت شقيقته الكبرى وشَرعت تعزف على هذه الآلة، فأدرك عندئذ أنّها الآلة نفسها صاحبة الصوت الذي يسمعه ويستمع اليه كلّ مساء، فانفرجَت أساريره وبدأ مشوار اكتساب المهارات والعزف على البيانو.
عاصي ومنصور دفعا به نحو الموسيقى
مرّت السنوات مسرعة، فتعلّم الياس الرحباني الشاب مع اساتذة كبار في عالم الموسيقى، وحقّق وهو في الـ 19 من عمره مسيرة طويلة من التأليف الموسيقي المختلف، من الـ"روك أند رول" إلى الـ"جاز" والـ"بلوز"، وبعدئذ الى الموسيقى الكلاسيكية السمفونية، فهو لم يترك باباً من الموسيقى إلّا وفتحه، ولم يهمل مقاماً من التخت الشرقي أو المقامات الغربية إلّا وأبحَر بها، وتَوّجها بما يقارب 250 عملاً كلاسيكيّاً محفوراً في عمق النسيان، ومحفوظاً في أدراج مكتبه أو في "كومبيوتره الخاص".
أعمال تائهة وضائعة لا أحد يطالعها ولا يستنير بها، أمر غريب لا بل مستغرب، والأغرب أنّ "نشيد الكونغرس الأميركي" هو من تأليفه وتوزيعه، ولا أحد مدرك لهذا الواقع؛ أعمال راقية منسيّة من دون هوادة...
موسيقى الإعلانات
تكاد الشاشات العربية والأجنبية منذ حوالى الـ 50 عاماً تنطق بإبداعاته الموسيقية في ما يعرف بموسيقى الإعلانات أو الموسيقى والأغنية الدعائية. أمر مذهل حقّاً أن يربط مبدع ومؤلّف موسيقي من لبنان العالم كلّه بعضه ببعض، فهو قد سبقَ العولمة عندما ألّف 3000 قطعة موسيقية تمّ استخدامها موسيقى دعائية من الأوروبيين والأميركيين. فبهذه الخطوة ذهبَ بالموسيقى نحو العالمية لأنّ الموسيقى هي لغة عالمية لا تعرف حدوداً ولا سدوداً أو تقوقعاً، إنه مبدع من لبنان وما أدرانا ما هو المبدع؟
الأخوان رحباني هما من أيقظا فيه قبس الموسيقى وشعلة العزف وإتقانه، ولكن كما يقول: "في حوارات معمّقة مع الأخوين رحباني كنّا نناقش مسائل علم الوراثة، فالموسيقى موجودة في الأصل عندنا، تغذّينا منها مع الحليب فنضجت أكثر عندما أسقطنا عليها العلوم الموسيقية قاطبة".
موسيقي قبل الولادة
هذه الموسيقى سمعها الياس عندما دخل الفرنسيون إلى لبنان، وكان آل الرحباني يسكنون في بكفيا وقتئذ، وكانت الموسيقى الفرنسية تُسمَع في شوارع بكفيا وانطلياس معاً، فأينما تلفَتّ وقعت أذناك على الموسيقى الفرنسية الراقية، الأمر الذي دفع الياس الرحباني الى قول جملته الشهيرة عندما صادف أحد كبار الموسيقيين في فرنسا، القائم بأعمال "شارل ترينه": "أنا أحبّ فرنسا أكثر من حبّكم لها لأنّي قد نشرت اللغة الفرنسية والحضارة والرقيّ الفرنسي مع كلمات وألحان التقنيات التي فاض بها الشرق، فأنا أحبّ فرنسا أكثر من حبّكم لها"، عندئذ صافحه القائم بالأعمال وقال له: "خسارة وحَيف أن تعيش في الشرق ولبنان خصوصاً...".
حبّه لفرنسا دفعه لأن يؤلّف نشيداً للفرنكوفونية، أي الدول الناطقة بالفرنسية إلى جانب لغتها الأم، التي أضحت اليوم 70 دولة ناطقة بالفرنسية. وهذا أمر يدهشك ويجعلك تفكّر في أنّ هذا المؤلّف الموسيقي اللبناني الذي يحلّق وحده في سماء الإبداع من دون غطاء من أحد، قد وصَل إلى هذه الحدود متفوّقاً على كلّ التكنولوجيا التي يتمتّع بها الموسيقي الأوروبي والأميركي. ولكن "ما نفع هذا الإبداع في بلد تفوح منه رائحة النفايات؟ فهذه الرائحة أطيب من عبير الأبجدية وطيب الموسيقى!!".
نشيد الفرنكوفونية
"المعلّم" هو اللقب الذي أطلقه عليه الفرنسيون وخاطبوه به عندما سمعوا نشيد الفرنكوفونية الذي ألّفه الياس الرحباني، خصوصاً أنه ليس هناك من مؤلف فرنسي تمكّن طوال هذه السنوات كلّها من أن يبدع كما فعل الموسيقي اللبناني وأذهلَ الفرنسيين في أبهى اجتمعاتهم الثقافية وأهمها.
ومهما حاولنا أن نَلج حياة الياس الرحباني، نبقى مقصّرين جدّاً في احتواء هذا المحيط من الحضارة والمعلومات والأعمال الموسيقية والشعرية المبدعة.
إتصال من منصور ردّني الى لبنان
يوم اندلعت الحرب، اتجه الياس الرحباني إلى بلد الحلم فرنسا، حيث لاحت في الأفق أنفاس أحلام ذاك الطفل الذي كان يلهو في أنطلياس ويسكر من صوت البيانو، لأنّ أحلام الحصاد قد أينعَت للقطاف. ولكن بعد مضيّ 6 أشهر وَرده اتّصال من الشام، فكان الشقيق و"الأب" منصور الرحباني الذي قال له: "نحن في صدد إقامة حفل لفيروز، فيا حبّذا لو تؤنسنا بأناملك الملهمة".
شَعرَ الياس الرحباني للحظة بغصّة كبيرة كادت تخنقه، ففي اليوم الثاني كان على موعد مع الاستحقاق، استحقاق يحمل الياس الرحباني إلى العالمية من خلال "عقد موسيقي" يسمح له بقيادة الأوركسترا بمعزوفات سمفونية من تأليفه وتوزيعه، إلّا أنّ صوت منصور زَلزل فؤاده، فرفض أن يوقّع العقد، فصرخ القائم بأعمال "شارل ترينه" قائلاً: "ما بك؟ ماذا أنت فاعل؟ هذا هو الحلم الذي انتظرته طوال فترة حياتك". فنظر اليه الياس الرحباني واستلّ صورة المغيب التي تمّ التقاطها من منزله في بكفيا، فأدرك القائم بالأعمال أنه جوع الحنين.
فقال له: "عد الى لبنان لأنه سيقتلك الحنين إلى لبنان في فرنسا". عاد الياس الرحباني إلى لبنان وترك هذا الحلم، حلم العولمة والانتشار كالريح والنور لأنّ الموسيقى توأم النور والهواء، وهو كطَير المهاجر عاد إلى ربوع الوطن.
الياس الرحباني ووديع الصافي
"وديع الصافي صوت لن يتكرّر في الدنيا"، هكذا قال الياس الرحباني عندما تكلّم على "وديع - لبنان"، كما نسمّيه نحن، فهو الذي ألّف له ووزّع أغنيه "يا قمَر الدار"، ويخبرك ووجهه ممتلئ بعظمة الراحل الكبير، عندما قال له وديع الصافي: "يا عمّي الياس عمُول شي عا ذَوقك"، أمر مذهل لصوت لا يضارعه إلّا صوت الملائكة، وملحّن قضم 450 مقاماً في التخت الشرقي، وهذا لم يستطع أيّ ملحّن آخر في الموسيقى الشرقية والشرقية - عربية أن يفعله، فهذا الوديع عرف من هو هذا الشاب وعلم أنّ الياس الرحباني هو أهمّ صِلة وصل بين الموسيقى الشرقية والشرق عربية، والموسيقى الغربية...
نقمة وغصّة
مهما حاولنا أن نَفي الياس الرحباني حقّه سنبقى مقصّرين، ولكن كلّ العتب صَبّه الياس الرحباني على القيّمين على الشأن العام، "لأنهم بعيدون عن المعرفة والإدراك بُعد النور عن الظلام". ما لَفتنا في حديث الياس الرحباني هو أنه قال منذ 40 عاماً: "اميركا ستسقط وأوروبا أيضاً لأنّ البلاد التي ليس فيها موسيقى وتأليف للسمفونيات ستغرق في الظلام القاتم، لأنّ الموسيقى هي النور، والنور توأم الله".
الياس الرحباني أنت رمز لبنان وفكره وكينونته، فأنت ابن أرز الخلود، وأنت حملت بلدك إلى الأرض كلّها وعولَمت الشرق قبل 50 عاماً من العولمة الحديثة، "أنت وقمر الدار" و"بيني وبينك يا هَالليل" خالدون حتى قيامة القيامة.
(الجمهورية)