لم يكن عدد النواب الهزيل في ساحة النجمة هو السمة الوحيدة في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب بقدر جملة مفارقات، ربما تكون مؤشرات بارزة لمسار الإستحقاق الرئاسي بعد ضمور مبادرة الرئيس سعد الحريري بطرح إنتخاب النائب سليمان فرنجية مقابل عودته لترؤس الحكومة.
فطريقة تعاطي الرئيس نبيه برّي بتأجيل الجلسة لمدة شهر كامل توحي بعراقيل جدّية تعترض المبادرة، وعوائق من المفترض إزالتها، ليس عند فريق فرنجية فحسب بل ضمن مكونات 14 آذار. وفي هذا المجال هناك أحاديث نقلها زوار بري تفيد باستياءه الشديد من التفريط المتعمد في هيبة الدولة والمؤسسات جراء سياسة التعطيل المعتمدة على أكثر من صعيد. فليس في الأفق ما يشير إلى إتفاق حول رئيس وليست هناك محاولات جدية لتفعيل عمل الحكومة الأمر الذي يجعل الدولة بأكملها "واقفة على الشوار".
أما في المفارقات التي سجلتها الجلسة فهي في اللقاء الجانبي بين الرئيس فؤاد السنيورة والنائب جورج عدوان، وهو اللقاء الثاني بعد ما شاب علاقة "القوات" بتيار "المستقبل" بعض من توتر. ولم يخل اللقاء من البحث بمسار مبادرة الحريري وتداعياتها على فريق 14 آذار، ذلك أن محاولة الحريري بالعودة المظفرة لم تتكلل بالنجاح بل انعكست إنقساماً داخل تيار "المستقبل" وإنعداماً للثقة بينه وبين حلفائه وابرزهم الفريق المسيحي، أي "القوات اللبنانية".
رب قائل بأن هذا الإنقسام السياسي في تيار "المستقبل" هو أمر عادي، غير أن حالة "المشاكسة السياسية" التي ترجمها الرئيس فؤاد السنيورة من على منبر ساحة النجمة بإثارة موضوع حصار "مضايا" والتحذير من تورط "حزب الله" كان لها الأثر البالغ على إقرار جلسة الحوار مع "حزب الله" يوم الاثنين المقبل، حيث بانت رغبة حريرية باستكمال الحوار مع "حزب الله" وتجاوز الإشتباك الإعلامي، كما التصعيد السياسي، على خلفية إعدام الشيخ نمر باقر النمر أو تصريح النائب محمد رعد.
في هذا الوقت يرصد أكثر من طرف سياسي بالإحصاء الدقيق داخل كتلة "المستقبل" لتبيان حجم الإنقسام، خصوصاً عدد النواب الفعليين في فلك نفوذ فؤاد السنيورة أو الملتزمين بقرار سعد الحريري على رغم تغطية "المستقبل" هذا الجانب الخطير بالقول إن "المستقبل" هو تيار سياسي ديمقراطي فمن الطبيعي وجود آراء سياسية متنعددة فيه.
مجمل هذه المؤشرات قد لا يصح اعتبارها بداية لانشقاق سياسي مفترض بقدر ما هي ترجمة لفقدان الوزن السياسي عند أكبر كتلة داخل المجلس النيابي، الأمر الذي قد يستدعي خطوات لا تخلو من إحتمال حضور الحريري شخصياً من الخارج لتدارك الوضع، خصوصاً أن حركة مكوكية لافتة ينفذها وزير الداخلية نهاد المشنوق عنوانها العريض "حتمية إجراء الإنتخابات البلدية" الأمر الذي يضع تيار "المستقبل" أمام إستحقاق إنتخابي ينبغي التحضير له جيداً، وهل سيتولى الحريري شخصياً مهمة الإشراف على هذه الإنتخابات، التي يعتبرها المحك الأخير لاستعادة الشارع.