في تشرين الثاني من العام 2013 أطلّ الرئيس نبيه بري في حديث لإحدى الصحف اللبنانية استشرف من خلاله "انعكاس حصول التفاهم النووي بين إيران وأميركا على لبنان والمنطقة"، واصفاً حصوله "بمثابة انفجار نوويّ سياسي تطاول شظاياه وآثاره الإيجابية المنطقة كلّها، ومن ضمنها لبنان بطبيعة الحال"، مشيراً إلى أنّه "إذا حصل سيسجّله التاريخ"، واعتبر أنّ "إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما ستكون أوّل إدارة إميركية تتّخذ قراراً يخدم مصالح الولايات المتحدة الأميركية حصراً، وبمعزل عن الضغوط والمصالح الإسرائيلية".
مرد إعادة التذكير بهذا الحديث هو اقتراب شهر آذار المحّمل بكَم ثقيل من الإستحقاقات الدولية والإقليمية المترابطة والمتشابكة في آن، وأبرزها الملف النووي الإيراني، واحتمال التوصل إلى حسمه عبر توقيع تفاهم "أميركي - إيراني"، ظاهره "تقني"، على أن يُستتبع بعدها بسلسلة ملاحق سياسية أخرى مرتبطة بالمنطقة، وبخاصة لبنان وسوريا والعراق واليمن، بحيث لا تخلو من "مباركة" ما أو أقلَه "غض طرف" أميركي عن أيّ مشاركة إيرانية في صنع القرار السياسي لدول المنطقة، على أن يجري في المقابل العمل على توفير ضمانات لأمن دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي يبدو أنّها استبقت تداعيات حصول التفاهم بتحصين موقعها وتقويته عبر تطوير قدراتها النووية، فقررت في ظلّ قيادتها الجديدة اتخاذ خطوات تجاه ما من شأنه أن يكون واحداً من أكبر برامج الطاقة النووية في العالم خلال العقد المقبل، حيث تداولت وسائل الإعلام "دراسة سوف تنشر من قبل المركز الدولي لتحليل الأمن (ICSA) في كلية كينجز في لندن وتستند إلى أبحاث تمّ جمعها من مصادر مفتوحة عبر شبكة الإنترنت ووسائل الإعلام الإجتماعي، إلى أن المملكة تمضي قدمًا في خطط لإضافة 16 جيجا واط قبيل وقت مبكر من ثلاثينيات القرن الجاري".
هذا الإستشراف المسبق إذا ما أردنا التوسّع في قراءة انعكاساته على صعيد الملفات العالقة في لبنان وفي مقدمتها ملف الإستحقاق الرئاسي، نجد أن الإصرار على عدم "لبننة" هذه الإستحقاق هو الحقيقة المرّة التي تحاول الأطراف السياسية العمل على إخفائها عن الرأي العام عبر التلطي خلف قنوات الحوار التي من الواضح أيضاً أنّها لم تتم بإرادة داخلية صرفة، وبالتالي حلحلة ملفاتها لن تتم بمعزل عن الإرادات الخارجية وانعكاسات التفاهم "الأميركي - الإيراني" المرتقب.
الأمر الذي يطرح السؤال التالي: ماذا ستكون عليه صورة رئيس الجمهوية المنتظر إذاً، على ضوء ما تقدم من معطيات؟
لاشك أنّ هناك فرضيات كثيرة تدور في فلك الإستحقاق الرئاسي، والأضواء اليوم متسمرة أكثر من أيّ وقت مضى على مرشح قوى الثامن من آذار، "الجنرال عون"، لاسيّما بعد اللقاء الأخير الذي جمعه مع الرئيس سعد الحريري وما رافقه من احتفاء بميلاده وتغريدات وتمنيات سبقت تمنيات الحلفاء والأصدقاء في ظلّ أجواء حوارية على أكثر من قناة، فهل يشكل ذلك مؤشراً على اقتراب "الجنرال "من كرسي بعبدا؟!
بالطبع، إذا أردنا أن نعرف من هو رئيس الجمهورية المقبل، علينا أن نعرف من سيكون رئيس الحكومة المقبل! وفي هذا المجال رُسمت سناريوهات عدّة من بينها وصول "عون" إلى كرسي الرئاسة يقابله وصول "الحريري" إلى كرسي الحكومة، ولكن في المقابل، هل الرئيس سعد الحريري قادر اليوم على تولي كرسي رئاسة الحكومة -بغض النظر عن العامل الأمني- بما تحمل من ملفات داخلية وخارجية حسّاسة خاصة بعد تسجيله محطات عدّة من الفشل في فترة توليه الرئاسة سابقاً وخسارته لجزء كبير من حيثيته الشعبية التي خاب أملها، بعدما تبيّن لها خور وعوده التي ما انفك عن إغداقها عليهم؟!
في الحقيقة، الأمر لن يكون بهذه السهولة، ولكن "الإستدراج" وارد، و"شهية" الحريري مفتوحة بقوّة لاستعادة كرسي الرئاسة، إلّا أنّ الخشية كلّ الخشية هي من "الثمن" الذي قد يرتبه ذلك عليه، الأمر الذي قد يدفع به نحو الدخول في فرضية اقتراح المرشح الثاني البديل لرئاسة الحكومة مقابل اقتراح مرشح ثاني بديل من قبل قوى 8 آذار لرئاسة الجمهورية، مع توقع تسجيل سيطرة المناخ الذي سيرتبه توقيع التفاهم الأميركي- الإيراني بالإيجابيات التي يتوسمها الرئيس "بري" منه، على صورة هذين الإستحقاقين .
بكل حال إنّ غداً لناظره قريب!..
(ميرفت ملحم - محام بالإستئناف)