"جاكلين سوفاج"، سيدة فرنسية قتلت زوجها بعد 47 عاماً عاشتها معه معنفة ومدمرة لا سيّما بعد اكتشافها اقدام زوجها على اغتصاب بناتها. المرأة التي حُكمت بالسجن لمدة عشر سنوات، نالت أمس عفواً رئاسياً لتعود الى حضن عائلتها؛ ضحية جلاّدة منتصرة على الظلم والموت البطيء.
القضية لافتة بكل جوانبها، فبحسب الوقائع نزلت "سوفاج" بتاريخ 10 أيلول 2012 إلى الطابق الأرضي من منزلها، حملت البندقية وتوجهت إلى الشرفة، لحقت بزوجها نوربير مارو وأطلقت عليه ثلاث رصاصات في الظهر. بمعنى آخر، لم تقض السيدة على زوجها في لحظة مواجهة وعراك ودفاع عن النفس، ولعلّها خططت وفكرت قبل ان تقدم على هذه الخطوة، وقد تكون "جريمتها" ناتجة من ردّ فعل فوريّ على تعنيف سبق الحادثة. اياً تكن الفرضيات والاحتمالات، فان الخلاصة واحدة: "الاليزيه"، و"دواع انسانية"، اعفى السيدة من عقوبة السجن، بعد ضغوطات الرأي العام الفرنسي والجمعيات النسائية التي ادرجت فعلتها تحت عنوان "دفاع شرعي".
يبدو واضحاً اذاَ ان هذا الرأي العام تفهم "ثورة" سوفاج على كابوس العنف والموت، من دون ان ينكر ان ما قامت به "جريمة" في البعد القضائي. هكذا، يحصل ان يُنظر في امر "قاتل"، لأنه ببساطة... ضحية! غير ان هذا الموضوع جدليّ بامتياز، فكم من "مجرمين" هم ضحايا عنف وفقر ومجتمع وانظمة سياسية؟!
على أي حال، ان اسقاط هذه القضية في موضوع نتطرق فيه الى ازمة النفايات في لبنان، ليس الا محاولة لهزّ الشعب اللبناني وايقاظه ودفعه نحو "اطلاق الرصاص" على ظهر كل مسؤول عن ترك "الزبالة" على الطرقات منذ اكثر من 6 اشهر، وكل مشارك في اجهاض الحلول البيئية والصحية المستدامة!
بالطبع، ليس مقصوداً ارتكاب الجرائم ولا القتل ولا اطلاق الرصاص الحيّ، انما يحمل البعد المجازي لهذه الدعوة، حثّا على القيام بثورة لا تنتهي ولا تستكين حتى رفع آخر كيلوغرام من الاوساخ عن موائدنا وشوارعنا ومستشفياتنا ومنتجعاتنا السياحية...
السنا كشعب، مثل السيدة "سوفاج"، نتعرض الى تعنيف يوميّ واغتصاب لحقنا بحياة غير مسرطنة وموبوءة؟ الا يحق لنا تقرير مصيرنا، "بالقوّة"، اي بالثورة التي باتت للاسف جريمة في لبنان، وذلك حفاظاً على سلامة اولادنا واحفادنا؟
يحق لنا ان نحاسب ونقاضي ونرمي العصي في دواليب الصفقات المشبوهة. يحق لنا ان نلتفّ مرة جديدة حول مجتمع مدني يرتكب "جرائم" التظاهر والعصيان المدني واقتحام الوزارات والمؤسسات العامة. يحق لنا، بل يتوجب، الا نقلّد النعامة فنغرس رؤوسنا في الرمال، فحتى لو فعلنا ذلك فإننا سنقضي بسموم النفايات التي وصلت الى المياه الجوفية.
فعلا ما يحصل هو جريمة موصوفة، بل ابادة للشعب. اكياس الزبالة التي ترصف تحت الجسور وعلى الشواطئ وامام المستشفيات والمصانع والمطاعم لا يمكن ان تكون "بعيدة عن العين بعيدة عن القلب". وليس بوسعنا بعد اليوم التحايل على انفسنا والتكاذب، لنظنّ ان ازمة النفايات تحصل على المريخ، لا هنا، خلف جدران بيوتنا!
الى متى انتظار السياسيين وترقب "أرانبهم" المشبوهة؟! صدق ايها الشعب، ان نسبة المسرطنات المنقولة في الجوّ بسبب حرق الزبالة زادت بنسبة 2300 %(دراسة للجامعة الاميركية). وصدّق ان التلوّث حصل بحرا وبرا وجوا، وان لا ترحيل للنفايات المخمرة ولا من يقبل باستقبال اوساخنا، وان لا نيّة في البدء بخطة مستدامة تتضمن بناء معامل للمعالجة مطابقة للمواصفات. وصدّق ايها الشعب ان اقتصادنا ضُرب وسياحتنا بالويل و"مازتنا" مقرفة واجسادنا على بعد مسافة من التشوّه.
فالى متى الانتظار، او بالاحرى هذا الانتحار؟
للتذكير فقط: تدعو طلعت_ريحتكم الى تحرّك في 6 شباط المقبل.