في الشارع العريض الذي يخترق إحدى المناطق الفخمة في بيروت، لا يمكن أن تمر دون أن يلفت إنتباهك متجر فاخر لبيع الحلوى. المطعم مضاء كالبلور بلافتة جذابة، وتصميم هندسي "غربي الستايل". تكتشف منذ اللحظة الأولى أنه "مكان مميز".
تقرر الدخول والإستكشاف، فيستقبلك النادل "الأجنبي" مؤدياً التحية، ويطلعك سريعاً على قواعد الدخول. تقول في سرك: "لحسن الحظ أني أفهم الإنجليزية". أما من لا يفهم، يحاول أن يتذكر بعضاً من الكلمات المبعثرة التي حفظها من الأفلام الأجنبية ومقاعد الدراسة، لينقذ نفسه من موقف حرج أمام رواد المكان.
صدفةً، تدخل مسنة هارعةً، جذبتها لافتة حمراء مثيرة خُصصت لجذب زبائن الـ"VIP"، ثيابها المهترئة تعرّف عن سوء حالتها الاقتصادية وعوزها الشديد. تسأل "العجوز" الظاهر على وجهها علامات الذهول من جمال لا تشاهده إلا قليلاً في طريقها: "ماذا تقدمون في هذا المطعم؟"، فتجيبها النادلة: "قطعة حلوى".. إنتظري حتى أجلب لك الـmenu، أو تريدينها "take away"؟ تنظر إليها المرأة بغرابة، تأخذ لائحة الطعام والأسعار المكتوبة بالإنجليزية "أيضاً" وترحل، لتعود هارعةً مرة ثانية وتسأل مجدداً: كم سعر قطعة الحلوى؟ فتجيب النادلة: 20 ألف ليرة لبنانية. يزداد ذهول المرأة وتنظر حولها.. ثم ترحل وكأنها أصيبت بخيبة أمل. لكن نظرة سريعة إلى الأطباق الموزعة على طاولات المحل تكشف أن أحداً لم يكمل طبقه، الذي يكفي لشخصين أو أكثر، وأحداً لم يحاول أن يقدم طبقه للمسنة. هنا تتفاجأ أنها ليست "متسولة"، هي فقط أرادت أن تكافئ نفسها بتذوق قطعة حلوى بعد اشتداد الضيم الإجتماعي، لكن على ما يبدو ستستبدلها بقطعة خبز مفتتة لتنهي نهارها دون أن تحتاج لطلب المساعدة.
هذا المشهد هو حالة مصغرة، وقد تكون الأقل شدةً، عن عجز مجتمع بأكمله يعاني من اضطراب في إدارة وتوزيع الأدوار، وفي اتساع الفجوة بين "الأغنياء والفقراء"، يقابله تفاوت طبقي- إجتماعي مرتفع وميزانية عاجزة وعجز يتضخم، وتضخم يشل الإقتصاد.. وبالتالي ينعكس إختلالاً في التوازن الاجتماعي والتنموي والاستهلاكي. أما السبب وراء كل هذا فكلمة تختصر كل ما سبق.. "الفساد". فقد اعتاد أصحاب المال والإستثمارات والتجار أن يُغذوا التفاوت الإجتماعي برفع الأسعار لكسب المزيد من المال، واعتادت الدولة أن تشجع هذا النهج عبر رفع الضريبة لسد عجز، وودعم خزينة الدولة المديونة أصلاً، وهكذا يستفيد الطرفان ويقبع الفقراء أسرى العوز والحرمان و"قطعة الحلوى".
بالأرقام..
ومع انعدام وجود خطة حقيقية للتنمية بسبب شلل المؤسسات الدستورية والتشريعية والتنفيذية، وفي ظل تفاقم أزمات الحروب في الشرق الأوسط وخصوصاً الأزمة السورية، وما حملته من تبعات فيما يخص نسبة النزوج السوري وانعكاساته على لبنان، فإن الفجوة تتسع يومياً بشكل مخيف، فمثلاً ولمقاربة الآفة الحالية، تقع في قب الياس في البقاع الأوسط، ويقطنها 47 ألف مواطن لبناني وتستضيف 33 ألف سوري، أي بـاتت الــبـلـدة تـحـوي 88 ألف شخص. أما حصة قب إلياس من الصندوق البلدي المستقل، المصدر الأساسي للأموال التي تصرفها البلديات، فمحدد بـ 900 مليون ليرة لبنانية (600 ألف دولار)، كانت تصرفها على 47 ألف شخص والآن باتت تصرفها على 88 ألف شخص، فيما يستمر غياب صرف حصص البلديات من عائدات الهاتف الخلوي، بحسب ما تشير دراسة أعدها "مركز الدراسات اللبنانية" نقلاً عن رئيس بلدية قب إلياس، الدكتور درغام توما.
وفي دراسة بعنوان "تداعيات أزمة اللاجئين السوريين على لبنان: تحديات توفير الخدمات وخلق فرص العمل" التي أعدها المركز، تفيد أن أكثر من مليون ونصف المليون لبناني يعيشون تحت خط الفقر المطلق ونحو مئتين وخمسين الفا تحت خط الفقر المدقع. كما يؤكد تقرير التنمية البشرية للعام الصادر عن الأمم المتحدة ان ثلاثين بالمئة من اللبنانيين فقراء وثمانية بالمئة معدمون.
كما تشير التقديرات إلى زيادة مستوى الفقر في لبنان بنسبة 20 في المائة، فضلا عن أن 50 في المائة مـن الـنـازحـيـن يـعـيشون تـحت مستـوى خـط الـفـقر. ويــنــتشر النازحون السوريـون في 1700 مـوقـع داخل الأراضي اللبنانية، 55 في المائة منهم يعيشون في مآو وملاجئ لا ترقى إلى المعايير الإنسانية.
وتظهر دراسة للأمم المتحدة عن أرقام 2015، بزيادة في عدد سكان لبنان ليصبح 5,9 ملايين نسمة أي ما يقارب الستة ملايين، منهم 3,3 مليون شخص محتاج و1,8 مليون لاجئ سوري وفلسطيني بحكم الأمر الواقع يضاف اليهم الكثير من السوريين غير المسجلين لأسباب عدة. وتحتاج هذه الكتلة البشرية الى 2,14 مليار دولار لتمويل معيشتهم.