لم تستطع هيئة المحكمة العسكريّة الدائمة برئاسة رئيسها العميد الركن الطيار خليل ابراهيم أن تنتزع من فم الواقف تحت قوسها اعترافاً واحداً بكل ما نسب إليه من اتهامات. فالجرائم بحقه كثيرة، تبدأ بالانخراط في مجموعات إرهابية مسلحة مروراً بالمشاركة في القتال في سوريا تحت لواء "فجر الإسلام" والمشاركة في جولات العنف في طرابلس مذ كان عمره 17 عاماً إلى جانب أسامة منصور وتحت إمرة مسؤول أحد المحاور جولان الطبوش، وانتهاء بالترويج لتنظيم "داعش" عبر مقابلة متلفزة على إحدى الشاشات المحليّة. لتقرّر هيئة المحكمة الحكم عليه 4 سنوات وتجريده من حقوقه المدنيّة وإلزامه تقديم بندقيّة حربية.
تراجع المدعى عليه عبيدة العبدو عن إفادته الأوليّة في وزارة الدفاع، بالرغم من أنّها تتضمّن تفاصيل مملّة عن المشاركة في القتال وكيفيّة توجهه إلى سوريا. فهو روى أنّه كان متأثراً بـ "التنظيمات الجهاديّة" وكان يفضّل الاستماع إلى خطب المساجد التي تدعو إلى الجهاد في سوريا، كما كان يتردّد إلى "مسجد حربا"، الذي كان يسيطر عليه اسامة منصور وشادي المولوي.
وقد شجّعه منصور الملقّب بـ "أبو عمر" ومطلوب ثانٍ ملقّب بـ "أبو تيمور" على الذهاب إلى سوريا، فيما أشار أيضاً إلى أن رئيس "هيئة علماء المسلمين" الشيخ سالم الرافعي أمره بالذهاب إلى سوريا للقتال.
وفي اليوم المحدّد لـ "رحلة الجهاد"، توجّه العبدو إلى "مسجد التقوى" في طرابلس، حيث كان هناك أيضاً لبنانيّان هما محمّد حراز وخضر حلوة إلى جانب 15 سورياً، ينتظرونه للذهاب إلى سوريا. ومن هناك انتقل الشاب العشريني (مواليد 1991) إلى قارة حيث أصيب حراز في رجله. ثم توجّه المقاتلون، وفق ما أشار العبدو في إفادته، إلى القصير، حيث التقى بشقيق خطيبته محمّد الضناوي الذي ما لبث أن فارق الحياة بعد أن بقي يقاتل لشهر كامل. وفي القصير أيضاً، لاقاهم زعيم «فجر الإسلام» في حينه عماد جمعة (الذي تحوّل إلى قيادي في جبهة النصرة قبل إلقاء القبض عليه في آب الفائت في عرسال)، وسلّمهم بنادق «كلاشنكوف». كما ظهر المتّهم على إحدى شاشات التلفزة يتحدّث عن "داعش" بعدما عرّفه جعفر الشهال (نجل داعي الإسلام الشهال) على إحدى الصحافيّات.
وبالرغم من التفاصيل الكثيرة التي تضمّنتها إفادته الأوليّة، إلا أنّ المتّهم تراجع عنها وأنكر كلّ هذه التهم، وأكّد أنه غير ملتزم دينياً ويحبّ الدولة اللبنانيّة ويعمل كمياوم في شركة «كهرباء لبنان»، مشيراً إلى أنّه لم يقاتل يوماً ولا يعرف جعفر الشهال ولم يظهر في تسجيل مصوّر. إلا أن العميد ابراهيم نجح في استدراج المتّهم عبيدة العبدو بسؤالين وجّههما إليه: هل تعرف عماد جمعة؟ قال: "لا أعرفه ولكني رأيت له صوراً على التلفزيونات وهو يضع على رأسه قبعة".
الإجابة السريعة أوقعت المدعى عليه "في الفخ"، إذ لا صور لجمعة وهو يرتدي قبعة، وإنما على الأغلب هكذا رآه العبدو خلال القتال في سوريا، وهذا ما أكدّه ابراهيم الذي أشار إلى أنه لا يضع القبعة إلا خلال القتال.
أمّا السؤال الثاني فهو إن كان عماد جمعة يعدّ العدّة لشنّ هجوم محدد على الجيش، فأجاب العبدو أنّه سمع ذلك في الإعلام، ليشير ابراهيم إلى أنّ وسائل الإعلام لم تتحدّث عن هذا الهجوم، بل هذه هي خلاصة استجواب عدد من الموقوفين!
وإذ بدت "سقطات" العبدو كثيرة خلال الاستجواب، ترافع عنه وكيله المحامي علي المصري الذي أشار إلى أنّ قرار الاتهام مبني على معلومات وإفادة أولية وليس هناك إفادة شاهد أو دليل على ارتكاب موكّله هذه الجرائم.
مات.. قبل العثور على رون أراد!
وفي المحكمة العسكريّة أيضاً، كان من المفترض أن يصدر الحكم في قضيّة تعامل مع العدو الإسرائيلي، ولو بعد وفاة "الرأس الأهمّ" في هذه القضيّة وهو العميل جورج إليا الدهان، الذي كان يساعد "الموساد" للكشف عن مصير الطيار الإسرائيلي رون أراد. وتشير المعلومات إلى أنّ الدهان مات قبل 8 أشهر في إيطاليا التي هرب إليها بعد افتضاح أمره، وهو من منفذي جريمة سحمر وكان على علاقة وطيدة بالعميل محمود رافع.
وقد حضر إلى مقرّ المحكمة المدعى عليهم في القضية نفسها: مهدي علي الدنف، ومفيد علي القنطار، والياس شاهين ضاهر، وكارينا مهيب الطقشي مع وكلاء الدفاع عنهم، ما عدا وكيل الدنف المحامي مازن المصري، لترجأ الجلسة للمرافعة وإصدار الحكم إلى 4/11 المقبل.
وتختلف الجرائم المنسوبة إلى المدعى عليهم بين واحد وآخر وإن كان الجميع اشترك بالبحث عن رون أراد، فيما استطاع بعضهم الالتفاف على "الموساد" والحصول من عناصرهم على مبالغ مالية كمكافآت. وفي التفاصيل، فقد أوهم القنطار، بالمشاركة مع الدنف وضاهر، إلى تسليم الطقشي عدداً من الأعضاء البشريّة (كضرس وعظام) لأموات، وادعوا أنها لرون أراد بالإضافة إلى صور تشير إلى أنهما يعرفان مكانه. وقد سلّمت الطقشي زوجها، وهو كاهن يعيش في قبرص، هذه "القرائن" التي سلّمها بدوره إلى "الموساد".
(لينا فخر الدين – السفير)