..بتوترٍ واضح، أجاب ميشال سماحة على سيلٍ من الأسئلة التي وجّهها إليه رئيس محكمة التمييز العسكرية القاضي طاني لطّوف، فبدا متردّداً في إجاباته، يُجيب حيناً ويسحب جوابه حيناً آخر.
لم يستطع المتهم أن يضبط أعصابه خلال الجلسة، فراح يشرب الماء مراراً ويُمسك ظهره بيديه بين الحين والآخر ويتكئ على جدار قفص الاتهام وكأنّه يتوسّل تأجيلاً للجلسة، كيف لا وقد طفح به الكيل عندما كرّر عليه رئيس المحكمة سؤالاً أحرجه: "كيف تثبت أنّ ميلاد كفوري قد استدرجك؟"، هنا: توقّف سماحة عن الإجابة واستمهل لتقديم مذكرة خطيّة ليُثبت فيها أنّه كان ضحية "استدراج مُحكم، مهني وتقني".
لم تحمل إفادة سماحة أي جديد اليوم، فالأهداف التي "ساير" فيها ميلاد كفوري حفظها اللبنانيون عن ظهر قلب، لكنّ البارز فيها، هي قدرة سماحة على إتخاذ قرارات على قدر من الأهمية على باب المصعد، لقد وافق الرجل على تصفية المشايخ السنّة في ثلاث دقائق وهو الوقت الذي كان ينتظر به كفوري المصعد قبيل مغادرته منزل سماحة، إذ أومأ له الأخير رداً على سؤال يتعلق باستهداف رجال الدين السنّة بالإيجاب معقّباً "خاصة الزعران"، لكن كيف لو امتدت الدردشة لأكثر من هذا الوقت؟
ميشال سماحة الذي حاول أن يظهر بمظهر الضحية، لم يكن بحسب زعمه ينوي أذية أحد رغم نقله 25 متفجرة في سيارته، لكنّه لم ينس "الثقة" التي كانت أساس علاقته مع كفوري.. هي الثقة نفسها التي جعلته يعتقد أنّ الأخير غير قادر على تنفيذ أي من تلك الأهداف المحدّدة.
صُدم المتهم حين طرح عليه رئيس المحكمة السؤال الأوّل: كيف تصف استهداف المدنيين بالمتفجرات؟، الجواب جاء سريعاً: عملية ارهابية، ما أزعج وكيله المحامي صخر الهاشم الذي أومأ له بعدم رضاه، فسارع المتهم الى القول: "أسحب جوابي ولن أجيب على هذا السؤال".
الجلسة في مجملها تمحورت حول تسجيلات سماحة بالصوت والصورة، وقد طلب منه رئيس المحكمة أن يقرأ بنفسه مضمون التسجيل بينه وبين كفوري في اجتماعهما في 21 تموز 2012، والذي يقول فيه كفوري: "أنا لو ما هني عم يطلبوا أنا ما بعمل هيك شغلات.. هلق ليش صار الاختيار عليي؟.. بتحور وبتدور براسي وما عم لاقي جواب". ويجيب سماحة "الثقة الثقة الثقة"، فكان جواب سماحة للمحكمة: أنا أجبته عن الثقة التي بيني وبينه بناء على جلسات سابقة.
ونفى المُستجوب طرحه للأهداف مع الجانب السوري وقال: "لم أطرح الأمر مع السوريين انما سايرته (كفوري) وأجبته عندك افطارات في نواب، وفيك تروح خالد الضاهر وخيّو وفيك تروّح قيادات أساسية من الجيش الحرّ ومخازن أسلحة والطرقات التي يمرون عليها ". وأكد المتهم أن الكلام من عنده وليس من عند السوريين. مؤكداً أن كفوري هو من حدّد هذه الأهداف من خلال طريقة طرحه السؤال، وذكر الإفطارات التي يحضرها نواب، قائلاً: "كنت أسايره في بهورته ولم أكن أعتقد أنه قادر مع مجموعته على تنفيذ أي هدف من هذه الأهداف".
وأمام تردّد المتهم وتناقضه في أجوبته ما أثار استغراب الحضور، انتفض المحامي صخر الهاشم، وحمل على الاعلاميين الذين يغطون الجلسة، قائلاً لرئيس المحكمة "لا شغل للصحافيين الا مراقبة موكلي، ووصفه وهو واقف في القفص وطريقة أجوبته، وكيف يشرب الماء، وكيف يضحك رئيس المحكمة "ضحكة صفراوية" على أجوبته.. هذا غير معقول". فأجابه القاضي لطوف: "منذ شهر تتعرض المحكمة لحملة عنيفة ولم نجب بكلمة واحدة، الا تتحمل أن يصف صحافي طريقة وقوف موكلك في القفص وأجوبته؟"
ولم يقدم سماحة مبرراً لتسميته رجال دين من بين الأشخاص المطلوب اغتيالهم، لكنه حاول التخفيف عن نفسه، بزعمه أن كفوري هو من سأله ماذا يفعل إذا كانت الافطارات المطلوب تفجيرها فيها نواب ومشايخ، مكتفياً بالقول "أجبته بلا مبالاة، وكنت مقتنعاً بعدم امكانيته على تحقيق هذه الأهداف". أما لجهة ما ورد في التسجيلات وطلبه من كفوري أن يقتل المشايخ السنّة مثل عبد العال وغيره وخصوصاً "الزعران"، كان جوابه "كفوري هو من طرح الأمر وأنا كنت أسايره".
رئيس المحكمة سأل المتهم: "أين تقام الافطارات في عكار؟"، فردّ لا أعرف. وبسؤال استطرادي: هل يمكن أن تقام الافطارات على معابر حدودية؟، فردّ بانفعال: لا أعرف أين تقام هذه الأمور كفوري يعرفها وليس أنا.
وعن أسباب تزويده لكفوري بخط هاتف جديد للتحدث عبره حصرياً حول المتفجرات، أوضح أن ذلك كان بسبب الحيطة، وأنا كنت حذراً في اتصالاتي وكان معي حق، لأن أغلب مكالماتي موجودة في هذه المحاضر. ولما استفسرت منه المحكمة لماذا استجد هذا الحذر في الأيام الأخيرة (قبل تسليم المتفجرات الى كفوري)، قال: "ما عندي جواب".
وعادت المحكمة بالمتهم الى مزاعمه عن استدراجه من قبل كفوري، فسألته: "هل من الطبيعي أن تنقل من دمشق الى بيروت 25 متفجرة، وتسلّم كفوري 170 ألف دولار وتدعي أنك تعرضت لاستدراج؟، فأجاب: القصة كلها استدراج.. استدراج محكم ومهني وتقني. وهنا طلب منه رئيس المحكمة أن يحدد له الوقائع التي استدرج من خلالها وأين جرى استدراجه، فطلب من المحكمة مهلة لإحضار مذكرة بوقائع الاستدراج الى الجلسة المقبلة.
عندها أعلن رئيس المحكمة التوقف عن متابعة الاستجواب، بانتظار ما سيبرزه المتهم في مذكرته، وطلب من ممثل النيابة العامة التمييزية القاضي شربل ابي سمرا تحضير أسئلته للجلسة المقبلة، وتقرر ارجاء الجلسة الى يوم الخميس في 18 الشهر الحالي، فطلب وكيل سماحة صخر الهاشم تأجيل الجلسة لأربعة أيام اضافية ليتمكن فريق الدفاع من إعداد اسئلته، فرفض القاضي لطوف، وهنا انفعل الهاشم، وقال: "يبدو أن هناك قراراً بتسريع المحاكمة وصدور الحكم سريعاً".
فأنذره رئيس المحكمة قائلاً له: "ما بسمحلك، أنت تهين المحكمة، ونحن من يقرر مواعيد الجلسات وليس أنت". ورفعت الجلسة.