لو كان يدرك تيّار "المستقبل" نتيجة انتخابات المجلس الإسلامي الشرعيّ الأعلى سلفًا، لكان ذهب صقوره بأنفسهم ربّما مع نائب رئيس "الشرعي" السابق، الذي كان يرأسه المفتي السابق محمّد رشيد قباني، ماهر صقال لتقديم طعن بلوائح الشطب إلى مجلس شورى الدولة، أو على الأقلّ كان هؤلاء قد تغاضوا عن فكرة العمليّة الديمقراطيّة وحاكوا تجربة القصر الجمهوري ومجلس النوّاب.
لو كان "التيّار الأزرق" يعلم كيف يقرأ حبر الأوراق الانتخابيّة من خلف الصناديق، لكان حاول أن يبذل كلّ ما في وسعه حتى لا يتمّ إجهاض المساعي الآيلة إلى تشكيل لائحة توافقيّة في الشمال، أو كان غضّ الطرف عن محاولته فرض مرشح هنا على نجيب ميقاتي وإلصاق آخر بفيصل كرامي "ومع تربيح جميلة.."
كلّ هذا لم يحصل، بل كاد "التيّار" أن يردّد بعد فرز الأصوات: "لو كنتُ أعلم". وإنّما اندفع "المستقبليون" بلوائح تبشّر بـ"الأمر لي"، نحو استحقاق أخسرهم "اليد الفولاذيّة المطلقة" التي كانت تتحكّم بـ"المجلس الشرعي" على مدى الأعوام الطويلة المنصرمة. كما أنّهم الآن لا يعلمون ما إذا كانت التعديلات المنوي إدخالها على المرسوم 18/1955 (المنظم لشؤون دار الفتوى) قد أضحت هي الأخرى في مهبّ الريح، أو أنّهم سيحاولون استمالة عدد من الأعضاء غير المحسوبين على قوى سياسيّة محدّدة.
بين حصّة الرئيس نجيب ميقاتي والوزراء والنواب السابقين والحاليين: محمّد الصفدي، فيصل كرامي، جهاد الصمد، عبد الرحيم مراد.. و"الجماعة الإسلاميّة" وعدد من الجمعيّات السنيّة المحليّة ومراعاة القوى البلديّة، تشتّت الأصوات وضاع "قالب الحلوى الأزرق".
وعلى رغم الفوز الباهت الذي حصده "المستقبل" في عدد من المناطق اللبنانيّة، غير أنّ "الحصاد الشمالي" يبقى هو الأكثر تعبيرًا. فأن يخرق مرشّح ميقاتي لمجلس أوقاف عكّار أسامة الزعبي "اللائحة الزرقاء"، فهذا يعني أن أصابع الرئيس الطرابلسي صار بمقدورها التحرّك بحريّة في عقر دار سعد الحريري لأوّل مرة.
وأن ينال "الزرق" مقعداً واحداً صافياً لهم في طرابلس عبر مرشّحه لـ"الشرعي" بسّام الرملاوي مقابل 4 أعضاء لخصومه، وأن يحصد الرملاوي 67 صوتاً مقابل 84 صوتاً لمرشّح ميقاتي عمر عبد الإله ميقاتي، فهذا يعني أنّ "المستقبل" لم يعد يلعب وحده ويخوض الاستحقاقات كما لو أنّه يذهب نزهة.
إنّها إذاً أكبر من انتخابات "مجلس شرعي" وأقلّ من انتخابات نيابيّة. وأنتجت، بالتالي، صورة أقرب لتكون طبق الأصل عما يمكن أن يكون عليه الأمر في أي انتخابات نيابيّة قد تجري مستقبلاً، بعدما أثبتت المعطيات أنّ هناك تبدّلاً حقيقياً في المزاج السني. وولّدت "أم المعارك" المدويّة في عاصمة الشمال واقعاً سياسياً أضحى فيه اسئثار "المستقبل" بالشارع السني في خبر كان.
ما حصل في العام 2005 و2009 لن يحصل بعد اليوم، ليس لأنّ سعد الحريري لا يريد إعادة تمثيل المشهد، بل لأنّ خصومه لن يقبلوا بعد اليوم بأقلّ ما أنتجته صناديق الاقتراع في دار الإفتاء التي أثمرت توازنات دقيقة لم يعد القفز فوقها لعبة سهلة.
يحاول "المستقبليون" اليوم استنهاض أنفسهم من أجل إعادة كلمة "اكتساح" إلى قاموسهم، وقبل ذلك مراجعة أسباب هذا الواقع المستجدّ. هم يدركون أنّ هذا كلّه لم يكن ليحصل، ربّما، لو لم يملّ الطرابلسيون من "الوعود الزرقاء" التي لم تنبلج مالاً في الشوارع الطرابلسيّة المعدومة وأزقّة التبانة بعد 19 جولة عنف مرهقة ولم تحقّق إلا مرآباً موضوعاً على جدول أعمال مجلس بلديّته، ومن إرباك حقيقيّ يخيّم على شتى الملفات السياسيّة، وناتج عن تناقض حادّ بين زعيم يخوض حربه من خلف شبّاك الطائرة ووكلاء حصريين في جميع المناطق كلّا منهم يريد إمساك السيف على طريقته.
(خاص "لبنان 24")