وصَل بخطوات متردّدة، بظَهر مقوّس، وفي عينيه نظرةٌ يملأها الخوف. وفي موقف الحافلات في محطة شارل حلو، وقفَ أمام الحافلة التي لم تعُد وُجهتها تُكتب على اللوحات، بل تُتمتم كأنّها تجلب الحظّ السيّئ: الرقّة.
عندما نصل إلى تدمر وفي النقطة الأولى الواقعة تحت سيطرة "داعش"، نشعر كأننا ندخل إلى بلد آخر، كانت الرحلات إلى هذه المنطقة التي ترزح تحت وِزر الدولة الإسلامية كثيرةً، أمّا اليوم فرحلة واحدة تتوجه إليها. إنها مغامرة محفوفة بالمخاطر من ساحل المتوسط إلى عاصمة الخلافة التي أعلن قيامها أبو بكر البغدادي. ولكن من النادر جداً أن يخاطر السوريون مثل محمد، وهو اسم مستعار، بالعودة إلى بلدهم. قال الحداد السوري: "أنا أذهب من دون أي ضمانة بأنني سأعود إلى بيروت. اليوم، يقفل تنظيم داعش مخارج الرقّة". واضعاً صرّة ثيابه على كتفه، اختار أن يذهب بكل بساطة. "زوجتي وأولادي هناك. يجب أن أذهب لأراهم. فالمال الذي أجنيه هنا يسمح لي أن أطعمهم. لقد مضت ثمانية أشهر على زيارتي الأخيرة لهم". في ظلمة المساء، يصعب ملاحظة لحيته على الفور. يفسّر بائع التذاكر الواقف إلى جانبه: "مثل غالبية الراكبين، لقد ترك لحيته تنمو لكي لا يوقفه المجاهدون. فهي إلزامية هناك".
خلف زجاج شباك التذاكر، تشير الساعة إلى الخامسة والنصف من بعد الظهر. الحافلة المتوجهة إلى الرقّة يجب أن تنطلق بعد ثلاثين دقيقة. قبل الصعود إليها، يدخّن ثلاثة ركّاب آخرون السيجارة الأخيرة لهم، فهي ممنوعة في الرقّة. تتكلّم وجوههم المتوترة نيابة عنهم. يضيف بائع التذاكر: "أنظر إلى وجوههم، إنهم مصابون بالهلع كأنهم يتحضرون للصعود إلى حبل المشنقة". هو وُلد في الرقّة ولكن قدمه لن تطأها أبداً، يُحبّ الكلام أكثر من المسافرين: "إنها طريق محفوفة بالمخاطر. عندما يكونون في منطقة يسيطر عليها النظام، لايكونون في منأى عن الميليشيات المتحمّسة لقصفهم. ثم عندما يصلون إلى المناطق التي تقع تحت سيطرة "داعش"، يكونون تحت رحمة الديكتاتوريين الدينيين. ولكن الخطر يأتي أيضاً من السماء في ظل الضربات الجوية".
يخوض أبو حسن البالغ من العمر 35 عاماً، أمضى منها 15 عاماً وراء المقوَد، سباقاً نحو الموت ثلاث مرّات أسبوعياً. في الأمس، وصل سائق الحافلة السوري عند الرابعة فجراً. وهذا المساء، سيعود مجدداً إلى المدينة الجهادية. "عندما أذهب إلى الرقّة، لا أعلم إن كنت سأعود حياً". منذ أن أحكمَ الجهاديون سيطرتهم عام 2013، تخطّى كلّ الظروف. "في السابق، كانت الرحلة تدوم بين أربع وستّ ساعات. اليوم، يمكن أن تستغرق 24 ساعة. فنحن نمرّ بدمشق ثم تدمر قبل الوصول إلى الرقّة. نحن نمرّ بنحو عشرين نقطة عبور".
خَلفه، الآذان صاغية. فقد تجمّعَ الركاب أمام باب الحافلة القديم... بين هذا الحشد المتنوّع والذي يمشي في محطة الحافلات، تصعب التفرقة بين موالٍ للنظام ومحارب جهادي متوجّه إلى الرقّة. بعد خمس سنوات على بداية التمرّد ضد الرئيس بشّار الأسد والحرب، تظهر قلّة الثقة بين صفوف المتمرّدين.
همَس لنا أبو حسن قلقاً لكي نتبعه. على بعد ثلاثة أمتار، تقف حافلة أخرى تحت جسر محطة شارل حلو. إنّه المكان الذي يمكنه أن يخبرَنا فيه بما يريد بسرّية وسرعة: "عندما نصل إلى تدمر، في النقطة الأولى الواقعة تحت سيطرة "داعش"، نشعر كأننا ندخل إلى بلد آخر. قبل الاقتراب، أوقف الحافلة: ترتدي الراكبات عباءةً سوداء طويلةً ويغطّين وجوههنّ بنقاب. أمّا الرجال فيرتدون بنطالاً قصيراً يصل إلى فوق الكاحل، كالذّي يرتديه رجال الطالبان. أنا أطفئ الموسيقى، وأرشّ عطراً في الحافلة لإخفاء راحة النيكوتين". هي فرصة أيضاً لإزالة كلّ الصور "الخطرة" من الهواتف النقالة: نساء غير محجّبات، شرائط مسجّلة، رسائل سياسية.
ويضيف: "ذاك اليوم، بحث جهادي في هاتف راكب. كان الشاب الذي يدرس الأدب العربي في بيروت قد التقط صورةً له يرتدي فيها عَلم المعارضة السورية الحرة. أنزلَه الجهادي من الحافلة. بعد قليل، علمتُ أنّهم قطعوا رأسَه. كان يبلغ الثانية والعشرين من العمر".
حائراً بين خوفه ورغبته في الكلام، يضيف السائق: "عند وصولنا إلى منطقة "داعش"، تبدأ الطائرات الفرنسية، والأميركية، والروسية الحربية برمي القنابل. نكاد لا نعرف من أين تنزل. عندها أزيد من السرعة لأصل أحياناً إلى 170 كم في الساعة. في الحافلة، يعمّ الصمت القاتل بين الركّاب".
يخفض أبو حسن رأسَه ويتابع: "في أحد الأيام، كنت على الطريق أقود بسرعة عادية. فجأةً، أشار لي شخص بالتوقف. كان حاجزاً لداعش. صعدَ إلى الحافلة، وفتّش الجميع. وعندما أنهى تفتيشه، انطلقت مجدّداً. بعد عشرة أمتار، سمعنا صوت انفجار كبير؛ كان صاروخاً قد أصاب الحاجز. في الخلف، كانت النساء تصرخ والأطفال يبكون. لقد نجَونا بأعجوبة. لقد نجونا قبل ثوانٍ معدودة".
توقّف أبو حسن عندها ونظر إلى ساعته، لم يبقَ لديه سوى خمسة عشر دقيقةً قبل الانطلاق، ثمّ بلع بريقه وقال: "لم ينتهِ الكابوس، بعد 200 متر، أوقفنا حاجز جديد. نقطة تفتيش جديدة لـ"داعش" أشارت لنا بالتوقف، عندها أصِبت بالهلع. قلت إنه سيَستخدمنا كدرع بشريّ في وجه الضربات الجوية. دستُ على الوقود، وتابعت طريقي من دون تفكير".
يصف الوصول إلى الرقّة، بـ"الوصول إلى الجحيم". "يجب أن تغطّي المرأة رأسَها وصولاً إلى رجليها، ولا يمكنها أن تخرج من المنزل وحدها. وبالإضافة إلى التدخين، إرتداء البنطال الضيّق ممنوع للرجال. أما من يعارض هذه القوانين، فيُجلد. ذات يوم، أعدم تنظيم "داعش" معارضَين في الساحة العامة باعتبارهما "كافرين". عندما تحين ساعة الصلاة، يجول الأوصياء على النظام الأخلاقي بشاحنات صغيرة عليها مكبّرات صوت، ويمسكون بالسكّان الذين يتجوّلون في الشارع ليأخذوهم بالقوة إلى المسجد". ثم بتردّد يفتح أبو حسن هاتفه الجوال ويرينا بعض الصور العائلية. "هذا أبي"، مشيراً إلى صورة رجل متقدّم في السن يرتدي الجلّابيّة، له لحية رماديّة ويعتمر كوفية على رأسه. ثم يشير إلى صورة رجل أنيق يرتدي بزّة وله شاربان، ويضيف: "هذا أيضاً أبي... قبل داعش". من ثم يشير إلى صورة سوريّة ترتدي الأسود وتحمل ثلاثة رضَّع ويقول: "إنّهم زوجتي وأطفالي. إنّهم يعيشون في قرية يسيطر عليها داعش". ثم يشير إلى صورة أخرى، صورة امرأة جميلة، شعرُها أشقر، تضع أحمر الشفاه، وترتدي ثوباً أبيض مخرّماً. «هذه زوجتي أيضاً، يوم زفافنا... لقد تغيّرَت الأيام كثيراً".
عند الاستماع إليه، لا يمكن فهم السبب الذي يَدفعه للعودة إلى "الجحيم". "لقد أردت أن أستقيل مرّتين. ولكن من المستحيل إيجاد وظيفة أخرى!". مع أكثر من 1,2 مليون لاجئ سوري في بلد يعيش فيه 5 ملايين شخص، لا يمكن للبنان أن يؤمّن فرص عمل للوافدين الجدد. كما لا يمكن لأبو حسن أن يأتي بعائلته إلى بلد الأرز لأنّ الدولة الإسلامية عزّزت رقابتَها على المناطق التي تسيطر عليها في سوريا: "لقد قطع الإنترنت. وفي بعض القرى، تمّ نزع الأقمار الصناعية". إنّه قمعٌ للحريات يترافق مع تعزيز الرقابة على مخارج الرقّة. "يجب الحصول على موافقة من اللجنة التأديبية في داعش، مع حضور شاهدين".
سحبَ أبو حسن ورقة من جيبِه: وثيقة عليها ختم داعش وهي ورقة مرور تقدَّم عند النقاط التي يسيطر عليها التنظيم. "تراخيص الخروج هذه محدودة التوقيت: تمنح الموافقة على المغادرة فقط للأسباب الطبّية أو للمشاركة في مأتم، وذلك خلال مهلة لا تتخطّى الخمسة عشر يوماً".
الشهر الماضي، تمكّن صديقه، بائع التذاكر، من إخراج امرأة وأطفال بحجّة الدخول إلى المستشفى في دمشق بسبب "مشاكل في الكلية". عندما وصَلوا إلى دمشق، توجّهوا إلى بيروت. إلّا أن الخطر كبير: "إنْ لم تعودوا، سوف يصادِرون ممتلكاتكم وسيوقِفون أقرباءَكم".
جثّة في مخزن الأمتعة
إستقامَ أبو حسن في كرسيّه. خلف نافذة مقاعد الركاب، تظهر يدان تلوحان في الظلمة. إنّه زميل له يعلِمه أنه حان الوقت لكي يركبَ في حافلته. إنّها الساعة السادسة والنصف من بعد الظهر. لقد دقّت ساعة الانطلاق. "ينخفض عدد الركاب يوماً بعد يوم، لذلك نحاول أن نمدّد وقت الانطلاق"، يشرح السائق الآخر. أمام شبّاك التذاكر، الوجوه نفسها موجودة، بالإضافة إلى بعض الوجوه الأخرى؛ عشرات الأشخاص ينتظرون الذهاب إلى الرقّة، ولكن أيضًا إلى دمشق ومحيط حلب. نرى الجميع يتشاورون. ثمّ بالإجماع، قرّروا أن يجمعوا ركّاب الحافلات الثلاث في حافلة دمشق.
فرحَ أبو حسن، فقد ربح ساعات من الراحة. أخيراً، بعد دقائق، رنَّ هاتفه، صوتٌ يعلِمه أنّ صديقاً سوريّاً يعمل في ورشة بناء وقع وماتَ. غداً، يجب أن ينقل أبو حسن جثته في مخزن الأمتعة ليُدفن في الرقّة. في الحافلة المتوجّهة إلى الدولة الإسلامية، حتّى النعوش تذهب من دون عودة. ثمّ قال ووجهُه شاحب: "الموت لا يفارقنا أبداً".
(دلفين مينوي - الجمهورية)