ما تزال أصداء نتائج انتخابات المجلس الاسلامي الشرعي الأعلى في طرابلس ترخي بظلالها على تيار "المستقبل" والمفتي مالك الشعار الى حدود التخبط، بعدما خسرا كل المرشحين في طرابلس ولم يفلح "المستقبل" سوى بايصال عضو واحد هو منسقه في المنية الدكتور بسام رملاوي بينما خرج الشعار خالي الوفاض.
وقد ترجم هذا التخبط أمس بمحاولة قيادة "المستقبل"، التنصل من مرشحيها الخاسرين ودفع بعضهم الى الاعلان بأنه ليس منتميا الى التيار وأنه خاض معركته مستقلا، وذلك للتخفيف من آثار الصفعة الموجعة التي تلقاها، فضلا عن محاولته الايحاء بأن الفائزين ليسوا محسوبين على تحالف الرئيس نجيب ميقاتي مع الوزيرين محمد الصفدي وفيصل كرامي والنائب السابق جهاد الصمد والمشايخ.
تشير المعطيات المتعلقة بانتخابات المجلس الشرعي في طرابلس الى أن قيادة "المستقبل" كانت تتصرف من وحي قناعتها بأنها ما تزال قادرة على التحكم بكل مفاصل الحياة السياسية في طرابلس، ومما زاد من قناعتها هو التغييرات التي حصلت مؤخرا في البلدية لجهة الضغط الذي مارسه الرئيس سعد الحريري على الدكتور نادر غزال للاستقالة، ومن ثم انتخاب عضو منسقية التيار المهندس عامر الرافعي رئيسا، في حين كانت القوى السياسية الأخرى في المدينة تغض النظر عن هذه التغييرات كونها لم تعد قادرة على التعامل مع غزال بسبب التعطيل الذي كان يمارسه المجلس البلدي مجتمعا، خصوصا بعدما تلقت وعودا من الرافعي بوضع السياسة عند أبواب البلدية.
انطلاقا من هذا الواقع تعاطت قيادة "المستقبل" بمنطق الفوقية السياسية، وأعطت لنفسها الحق في تمثيل هذه الجهة أو حرمانها بواسطة المفتي مالك الشعار الذي لم ينجح في صياغة توافق يمثل كل الأطراف.
وجاءت هذه النتائج لتؤكد أن فرض مرشحين من دون الرجوع الى القيادات السياسية المحلية لم يعد مقبولا، بدءا من نواب التيار الذين ثاروا أكثر من مرة على بعض التصرفات للقيادة المركزية تجاه المدينة، مرورا بالوزير السابق فيصل كرامي الذي وجد نفسه محاصرا بمرشح فُرض عليه، وصولا الى الرئيس نجيب ميقاتي الذي كان زاهدا في موضوع التوافق وأبلغ الشعار بأنه يكتفي بمرشح واحد من أصل سبعة هو الدكتور عبد الاله ميقاتي، شرط أن تتمثل جميع الأطراف حرصا على وحدة الطائفة في طرابلس والأقضية التي تشاركها لائحة المرشحين للمجلس الشرعي.
ويمكن القول أن قيادة "المستقبل" فهمت تواضع وزهد ميقاتي على أنه ضعف، فاستمرت في تشكيل اللائحة على قياسها، وصولا الى استبعاد الدكتور هاشم الأيوبي (ممثل قضاءي الكورة والبترون) وعدم النظر الى مطالبة كرامي بتمثيله بالمرشح همام زيادة المحسوب عليه بدلا من الدكتور فواز الحلاب الذي سماه الشعار، الأمر الذي رفضه ميقاتي فقلب الطاولة معلنا بأنه غير معني باللائحة التوافقية المزعومة.
وفي قراءة متأنية لنتائج الانتخابات التي أسفرت عن فوز خمسة مرشحين محسوبين على تحالف ميقاتي وكرامي والصفدي والصمد والمشايخ، إضافة الى مرشح واحد مدعوم من إتحاد بلديات الضنية وآخر لتيار "المستقبل"، يتبين ما يلي:
أولا، أن الزعامة الطرابلسية المتمثلة بالرئيس ميقاتي هي قائمة وفاعلة على الأرض، ومستعدة لاحتضان كل المتضررين من هيمنة "تيار المستقبل"، وأنه ما يزال يتعامل على قاعدة الدفاع عن الحضور في طرابلس، ولم يبدأ بالهجوم، بالرغم من إعطائه إشارة عن هذا الهجوم بالنتائج الانتخابية الصريحة في طرابلس، وبتمدده الى عقر دار "المستقبل" في عكار حيث حل مرشحه المنفرد الشيخ أسامة الزعبي في المرتبة الأولى خارقا لائحة "المستقبل" لادارة مجلس الأوقاف.
ثانيا، إن التحالف بين ميقاتي والصفدي والنائب أحمد كرامي وفيصل كرامي من شأنه أن يعيد القرار السياسي الى طرابلس.
ثالثا، حفاظ "الجماعة الاسلامية" على حضورها حيث كانت تحتاج الى سبعة أصوات ليفوز مرشحها بعضوية المجلس الشرعي في عكار بدلا من مرشح "المستقبل" علي طليس، علما أن كل المعلومات تشير الى أن "الجماعة" تتجه نحو تنسيق أكبر مع ميقاتي، بعدما شارفت على فقدان الأمل من تعاطي الحريري معها كشريك أساسي على الساحة اللبنانية.
رابعا، إن الساحة السنية لم تعد حصرا لتيار "المستقبل"، بل ثمة شركاء حقيقيون ومنافسون أقوياء، خصوصا أن الرسالة القاسية التي تلقاها الحريري وتياره جاءت من حالة انتخابية مدنية ودينية رسمية لا يوجد فيها مكان لأي تطرف.
تلقى تيار "المستقبل" صفعة سياسية من المفترض أن تعيد إليه بعضا من التوازن والتواضع، خصوصا أن نتائج انتخابات الشرعي في طرابلس بدأت تشير الى أنه قد لا يكون قادرا في وقت لاحق على خوض أي معركة بمفرده من دون رافعة طرابلسية محلية.
(غسان ريفي - السفير)