أقفَلت البلاد على عطلة نهاية أسبوع كانت أمنية بامتياز، كادت لولا تدخّل الجيش والقوى الأمنية مغطاةً بتوجيهات سياسية حاسمة، أن تُحدث اهتزازاً أمنياً خطيراً مِن شأنه أن يعطّل الحوار ويطيح كلّ المحاولات والمساعي الجارية لإيجاد مخارج للأزمة بشقوقها المختلفة. وإذ جاءت هذه الحوادث الأمنية التي شهدها الشارع هنا وهناك على خلفية المضاعفات التي نجَمت من التدبير السعودي بوقفِ الهبة السعودية للجيش والقوى الأمنية، والذي هو موضع اتصالات محلّياً ومع الرياض لمعالجته، فإنّ هذه الاتصالات ستستمرّ هذا الأسبوع، خصوصاً أنّ رئيس الحكومة تمّام سلام ينتظر ردّ القيادة السعودية على رسالته التي تمنّى فيها العودة عن هذا التدبير، فيما البلاد على موعد مع جلسة انتخابات رئاسية جديدة بعد غدٍ الأربعاء تشير كلّ الدلائل حتى الآن إلى أنّها لن تنعقد كسابقاتها لعدمِ اكتمال نصابها وغياب الاتفاق على انتخاب الرئيس العتيد.
وقالت "اللواء" إن التجمعات الاحتجاجية في بعض أحياء الضاحية الجنوبية، وصولاً إلى البقاع وصور، أقلقت الأوساط السياسية والرسمية، فضلاً عن سفراء الدول المعتمدين في بيروت، إلا أنها بعثت برسالة حول هشاشة الوضع، وحساسية الخلافات الداخلية والعربية، وما يمكن أن يترتب عليها من فرط الوشائج التي ما تزال على ضعفها تربط ما بين اللبنانيين، سواء على مستوى المؤسسات أو ما يسميه الوزير نهاد المشنوق بـ"أحزمة الأمان".
وأشارت "النهار" إلى إنه اذا كان من المسلّم به ان لا مصلحة لاي فريق داخلي في تحريك نيران التشنج والتوتر الذي يغلب عليه الطابع المذهبي، فبماذا تفسر اللعبة الخبيثة التي دارت رحاها طوال اليومين الاخيرين مشعلة المخاوف من فلتان شارع "يزهو" بعروض مذهبية فاقعة؟ واذا كان الجيش اضطر الى تنفيذ انتشار ميداني واسع مرات عدة في أقل من 24 ساعة بين ليل السبت وليل الاحد لطمأنة من أخذهم الرعب في ظل "السيناريوات" و"البروفات" التي تعيد الى الذاكرة المتوترة عملية 7 أيار 2008 المسلحة، عن حق او عن توجس، فبأي "عدة شغل " سيواجه المعنيون السياسيون والامنيون الاستعدادات الجارية لاجراء الانتخابات البلدية والاختيارية في أيار المقبل وسط هذا "العبق" المتصاعد للشحن المذهبي والسياسي؟ والأخطر مما سبق، هل صار لبنان فعلاً الساحة الوسيطة الجديدة والبديلة للصراع الاقليمي وتحديدا الخليجي – الايراني وقت بدأت في سوريا هدنة مفروضة بثقل الدولتين الكبريين الولايات المتحدة وروسيا؟
ورأت "النهار" إن هذه الاسئلة والمخاوف لم تتسارع دفعة واحدة بفعل شريط هزلي تهكمي عرضته محطة "ام بي سي" عن الامين العام لـ"حزب الله " السيد حسن نصرالله فقط على رغم اثارته موجات احتجاج واسعة لانصاره في الشارع. بل ان المخاوف تصاعدت مع معاينة حجم الاحتقانات التي كشفتها هذه الواقعة واتخذت طابعي التحدي والاستفزاز وتجاوزت في بعض جوانبها ردة الفعل العفوية في ما قرأه الآخرون في الشارع المقابل "بروفة" ورسائل ضمنية موجهة اليهم. ولم يكن أدل على خطورة المناخ الذي عاشته "الشوارع" المذهبية في الساعات المنصرمة من تمادي عمليات قطع الطرق في بيروت والضاحية الجنوبية والطريق الساحلية الجنوبية وطريق شتورا - تعلبايا الحيوية الامر الذي استدعى اتصالات عاجلة بين القيادات العسكرية والامنية والقيادات المعنية في "حزب الله" وحركة "أمل" وتيار "المستقبل" لوقف موجات التوتير تجنباً لاي حسابات أو مزالق خاطئة.
وعلمت "النهار" ان المسيرات الدرّاجة التي سيّرها أنصار "حزب الله" إستنكاراً للشريط التلفزيوني الذي تناول الامين العام للحزب بلغت ليل السبت - الاحد مشارف السفارة السعودية في بيروت في شارع بلس - المنارة حيث تجمع مئات من مناصري الحزب وهم على دراجاتهم النارية أمام الحاجز الذي وضعته القوى الامنية على مسافة أمتار من مبنى السفارة وراحوا يهزون العوائق الحديد فيما كانوا قد تجمهروا أيضا على مقربة من منزل الرئيس فؤاد السنيورة الكائن في المحلة نفسها. وحذّرت أوساط وزارية في قوى 14 آذار عبر "النهار" من أن تكون تحركات انصار الحزب في أكثر من منطقة بمثابة "بروفة" لـ7 أيار جديد مشيرة الى ان الجيش إتخذ التدابير اللازمة لحماية الامن الداخلي. ولم تستبعد الأوساط ان يكون هذا التوتير وتوظيف ردة الفعل على الشريط للتأثير على مجريات جلسة إنتخاب رئيس الجمهورية الاربعاء المقبل بحيث يجري توظيف الاحتجاجات لمنع أي من المرشحين لرئاسة الجمهورية من المشاركة في هذه الجلسة.
وقالت مراجع أمنية لـ"الجمهورية" إنّ "ما حصل أمس كان يمكن ان يؤدي الى فتنة كبيرة لولا الاتصالات التي تسارعت على اكثر من مستوى سياسي وحزبي لوقفِ التحركات الاستفزازية في اسرع وقت ممكن ووقف إطلاق النار الذي ترافقَ مع التحركات الشبابية وأعمال الشغب التي أثارت الذعر في صفوف المواطنين، خصوصاً أنّها امتدّت الى مناطق سكنية وطرق بعيدة عن البيئة الحاضنة لحزب الله للمرّة الأولى". أضافت أنّ "التحرّكات السريعة لوحدات الجيش منعَت ردّات فعل كان يمكن ان يستدرجها التحرّك الذي شهدته مناطق "الجديدة" وسن الفيل ومستديرة الصالومي التي كانت تشهَد حركة سير ناشطة ككلّ ليلة سبت، خصوصاً أنّ بعض شبّان المنطقة سارَعوا إلى حيث اندلعَت النيران التي سبَقهم إليها الجيش وقبله فرار من أشعلوها من الطرق في اتّجاه النبعة سيراً وتغلغلوا بين المباني المكتظة في المنطقة باتّجاه عمقِها السكني". وأوضحَت أنّ "التحرّك السريع لقيادة "المستقبل" في بيروت فوَت ردّات الفعل التي كانت متوقّعة، خصوصاَ أنّ أعمال إطلاق النار وحرق الدواليب ترافقَت مع موجة إشاعات عن احتمال القيام بأعمال شغَب في مناطق حساسة من بيروت تتلاقى فيها القوّتان السنّية والشيعية على تماس مع شوارع فلسطينية ما أدّى الى لجمِ ردّات الفعل فتجاوزت بيروت ليل السبت ـ الأحد "قطوعاً" أمنياً يمكن أن تفلتَ تردّداته عن السيطرة في أيّ وقت آخر".
وتمكنت القوى الأمنية، بحسب "اللواء" لا سيما وحدات الجيش اللبناني من ضبط الأمر، وأبلغت قيادتا "أمل" و"حزب الله" الجهات الرسمية الأمنية أنها لا تغطي أية تحركات في الشوارع حتى ولو كانت عفوية، وعليه ساهمت في سحب المتجمهرين في الشوارع والأحياء، وأيّدت إجراءات القوى الأمنية في منع قطع الطرقات وإشعال الإطارات، إلا أن وتيرة الخطاب السياسي المرتفع لقيادات رفيعة في "حزب الله"، والتهديدات التي أطلقت للأطراف اللبنانية المؤيّدة للتضامن مع السعودية، فضلاً عن استمرار التهجمات على المملكة، نُظر إليها على أنها بمثابة "صبّ الزيت على النار".
وعلمت "النهار" ان رئيس مجلس النواب نبيه بري اجرى اتصالات في قيادة الجيش مطالباً بأخذ زمام المبادرة لمنع كل التجاوزات في شوارع العاصمة، كما بدأ باجراء اتصالات بكل من "حزب الله " وتيار "المستقبل " لاحتواء التوتر.
وبدا لافتا لـ"النهار" النداء الذي وجهه الرئيس نجيب ميقاتي الى جميع القيادات والمرجعيات من أجل دعوة المناصرين الى الهدوء وعدم الانجرار الى ما يؤدي الى الفلتان التام، "مستنكراً" ردود الفعل التي استهدفت الأنبياء والصحابة".