على امتداد ألف كيلومتر مربع تدور معارك القلمون. 21 موقعاً تقريباً تلك التي يسيطر عليها مسلحو "داعش" و"النصرة"، والأخيرة لها الإنتشار الأوسع. ويظهر من سياق المعركة ان المطلوب حماية القرى المتاخمة ومنع المسلحين من التسلل اليها عبر تطويق مناطق تواجدهم ودفعهم إلى الإنسحاب تحت وطأة المواجهات وحصر تواجدهم على امتداد مساحة لا تزيد على 300 متر مربع في عرسال وجرودها، وقد نجح "حزب الله" والجيش السوري في إعادة السيطرة على نقاط عدة، فيما تشير التقديرات إلى أن نتائج المعركة مريحة ميدانياً خصوصاً في ظل تحول المواجهات لتصبح بين "داعش" من جهة و"النصرة" من الجهة المقابلة.
في ما يتعلق بـ"حزب الله" فان المواجهات في القلمون ستستمر حتى القضاء على آخر مقاتل يمكن ان يهدد القرى والبلدات الحدودية ولكن توغل المسلحين في عرسال وجرودها مسألة بالغة الحساسية في حساباته وهنا ربما ستكمن المعضلة. فأصعب من حسم معركة القلمون هو التعاطي مع موضوع عرسال بالنسبة إلى الحزب، حيث سيكون من الصعب خوض المعركة هناك وسيترك أمر العمليات للدولة وللجيش الذي سيجد نفسه مجبراً على المواجهة منفرداً.
خلال الجلسة الأخيرة للحوار، اعتبر وزير الداخلية نهاد المشنوق ان ثمة كرة لهيب تقذق في اتجاه عرسال وأهلها، وعلى رغم كونه أبدى تفهماً لسياق المعركة ميدانياً، لكنه عبّر عن خشيته من تداعيات ما سيحصل. وهنا يبدو وزير الداخلية متصالحاً مع الوقائع الميدانية للمعركة بعيداً عن حملات التهويل التي يقودها آخرون من تيار "المستقبل". فالجميع يعلم ان عرسال شكلت ملاذاً آمنا للمسلحين وتحولت إلى بيئة حاضنة ليس معروف بعد اذا ما كان بمقدور أهلها الاستمرار بتحمل هذا الواقع المفروض عليهم. لكن ما سيحصل يبدو أنه نتيجة طبيعية لعدم وجود اصطفاف لبناني في مواجهة خطر "داعش" و"النصرة" المتأتي من الحدود مع سوريا .
وتشير الوقائع إلى ان المقاتلين يتقصدون التقدم في اتجاه عرسال ويستنجدون بأعداد من النازحين المتواجدين هناك، ما يعني أن أياماً عصيبة تنتظر هذه المنطقة، في وقت لن يكون بمقدور "حزب الله" مواجهة "داعش" في تلك المنطقة، وسيكون الأمر محصوراً بالجيش . لكن السؤال هو لماذا لم يشارك الجيش الى جانب "حزب الله" والجيش السوري في معارك القلمونن وهل سيتمكن من خوض معركته في عرسال ؟
منذ انطلاق أولى شرارتها كان ثمة فريق يحذر من زج الجيش في معارك القلمون و لم يتوان عن إعطاء تطمينات بأن "النصرة" اذا ما وصلت الى داخل حدودنا فهي لن تفعل شيئاً. وطبيعي أن مثل هذا الكلام قوبل باستغراب من قبل "حزب الله" الذي لا يجد تفسيراً للمنطق المطالب بعدم مشاركة الجيش في معارك القلمون، علماً ان السياق الطبيعي هو صد الخطر عبر خوض معركة دفاعية وليس انتظار وصوله إلى عقر دارنا. لكن أساس المسألة هو ان الجيش لا يتمتع بقرار سياسي يخوله خوض غمار المعركة، علما ان لبنان معني بمواجهة الارهاب لكن بالمقابل ممنوع عليه محاربة الارهابيين على الحدود .
يراهن "حزب الله" على نتائج معركة القلمون ويترقب بعدها كيف سيخوض الجيش معركته في عرسال، وهو الممنوع منذ انطلاق "عاصفة الحزم" من التدخل في المعارك التي يخوضها "حزب الله" ضد المسلحين على الحدود، فضلا عن ان المساعدات التي قدمت له كان مشروطة بعدم الاشتراك في معارك القلمون.
هدف معركة القلمون بالنسبة الى "حزب الله" هو حماية الحدود الشرقية والقرى الموجودة في البقاع ، وابعاد المسلحين عن الزبداني والفصل بينهم وابعاد الخطر عن خط بيروت - دمشق الذي هو آخر الخطوط الدفاعية للنظام ، واكمال السيطرة على خط دمشق - حمص البحري الذي هو شريان الحياة لاتصاله بميناء اللاذقية.
ومثلما كانت القصير كذلك ستكون النتائج الاستراتيجية للقلمون، حيث المطلوب صد المخاطر المتأتية على الخط اللبناني والحد من الخطر الامنى المتأتي من خلال التفجيرات عبر الحد من ادواته وامكاناته. وهنا تبقى مشكلة عرسال وجرودها التي ستكون متروكة للدولة والمسؤول عنها تيار "المستقبل" واهالي عرسال اولاً وآخراً.
ثمة من يقول ان معركة القلمون ليست معركة عسكرية فقط بل معركة سورية - لبنانية مشتركة أجندتها حماية دمشق ولبنان معاً .
آخرون يقولون اذا استطاعت معركة القلمون ان تحقق نتائجها فلا يمكن الا ان تضع بصمتها على الساحة الداخلية، فما بعد القلمون ليس كما قبلها لبنانيا ومن شأن نتائج هذه المعركة اعادة رسم موازين قوى جديدة وتحريك ملفات كبرى ولاسيما في ضوء معارك اخرى مماثلة للقلمون في الداخل السوري .
("
لبنان 24")