تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

أخبار عاجلة

جولة في حضرة الأشباح

نوال الأشقر Nawal al Achkar

|
Lebanon 24
11-03-2016 | 02:21
A-
A+
جولة في حضرة الأشباح
جولة في حضرة الأشباح photos 0
Documents 25312
Documents 25312 Photos
Documents 25311
Documents 25311 Photos
Documents 25310
Documents 25310 Photos
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
مغترباً كنت، سائحاً أم مواطناً، رغبت بزيارة تلك البقعة الجغرافية العابقة بالتاريخ الغنية بالحضارات في قلب بيروت، تمكنت بفضل حسن حظك من اجتياز تلك الحواجز الحديدية والإسمنتية، بعد أن أجبت على عشرات الإسئلة حول المكان الذي تقصد وبعد أن أظهرت هويتك، أقنعت رجال الأمن المولجين حماية تلك المنطقة بأحقية عبورك، مطمئنين أنّك لن تشكل خطراً على أمن نواب الأمة، الذين يقصدون مكان عملهم في البرلمان لسنّ القوانين التي تصون حقوقك في المجتمع ومراقبة أداء الحكومة لمحاسبتها، فبدأت بخطواتك الأولى داخل المربع، متسلحاً بنعمة المرور التي قد يُحرم منها المئات غيرك. للحظات تسترجع ذاكرتك ما درسته في كتب التاريخ، فتحاط بإيقاع سحري، حيث تعيدك الحمّامات الرومانية الى القرن الأول بعد الميلاد، ويأسرك جامع العمري بروعة هندسته من قبل الصليبيين ثمّ المماليك، وتدهشك الكنائس وجدرانها ونقوشها، وترى وجه الأمير فخر الدين في ذاك البرج الذي شيّده لمراقبة السفن القادمة، وتسحرك بقايا بيروت الصليبية والمملوكية والبيزنطية والرومانية والفينيقية والكنعانية والعثمانية. جمود رهيب يجعلك تستفيق على مدينة أشباح، تخرقها أسراب الحمام التي اتخذت من تلك البقعة موطناً مناسباً لها، يخلو من ازعاج البشر باستثناء أذية مواكب النواب، ولكن لا بأس فلمرة واحدة كل شهر ولنصف ساعة مع كل جلسة رئاسية. ترى الكثير من الأبنية الصفراء، المقفلة النوافذ، وأكثر ما يلفتك أنّ الدولة حاضرة هنا وبقوة، فالنفايات التي تغزو كل الشوارع لا أثر لها، لا بل أن الأرصفة تشبه بنظافتها أرضية المنازل، ترى القليل من الموظفين يدخلون عبر بوابات ضيقة إلى رحاب ذاك الوسط، وبعض النُدّل لما تبقى من مطاعم ومقاهي، يسيرون ذهاباً وإياباً لتمضية الوقت وهم لا ينتظرون زبائن، لا ترى ساكناً واحداً فتسأل نفسك عن السكان الأصليين أين ذهبوا. "المحل برسم الإستثمار" عبارة تستنسخ نفسها على واجهات تلك المحال المقفلة، محاطة بطبقة سميكة من الغبار، وفجأة يقع نظرك على كلمة "sale "، فتسرع إلى حيث تلك الواجهة بعد أن تمنّي النفس بفرصة تسوق أشهر الماركات بأسعار زهيدة، ليخيب أملك فور وصلك، فالمحل الذي يزين واجهته بالأمتعة، ملّ الإنتظار وغادر صاحبه، وقد تكون مضت مواسم على تلك الكلمة والباب لا يزال موصداً. غابت مظاهر الحياة في تلك الأزقة التاريخية الراقية، و"الداون تاون" أضحى مدينة أشباح، في المقلب الآخر أي في أسواق بيروت تبدو الحالة أفضل بكثير، إذ لا أسلاك تعترض مرورك، والحركة مقبولة مقارنة مع محيط البرلمان. تسأل عن سبب فقدان قلب بيروت بريقه، فتنهال الأجوبة: الوضع الإقتصادي الذي يتقلب من سيّء إلى أسوأ، غياب السياح لاسيما الخليجيين منهم، الغلاء الفاحش، وصولاً إلى لعنة البرلمان الذي أصابت محيطه، فانسحب الكسل البرلماني على تلك المحال والمؤسسات، وحوّلها إلى منطقة منكوبة اقتصادياً. نَقلُ مقر البرلمان إلى خارج تلك البقعة، اقتراح طُرح من البعض منذ فترة، معللين طرحهم بعدم إنتاجية المجلس النيابي، دون أن يرقى إلى مستوى النقاش الجدي. ومن جرّاء مشاهد تلك اللؤلؤة المهجورة تنتابك حسرة، ليس على مؤسسات تجارية أفلست أو أقفلت، لا بل على تاريخ وطن، وبصمات شعوب، ومدينة قديمة يعود تاريخها إلى أكثر من خمسة الآف سنة. تكمل مسارك متجولاً بين تلك الأبواب الموصدة والأشباح الساكنة، فتستحضر ذاكرتك كلمات نزار قباني، "يا ست الدنيا يا بيروت"، فترى نفسك تردد أغنية ماجدة الرومي "وأهديناك مكان الوردة سكينا ... نعترف أمام الله الواحد انّا كنا منك نغار... وحمّلناك أيا بيروت معاصينا" ، ولكن ماذا بعد؟ أنكمل الأغنية؟ هل عرفنا الآن ماذا اقترفت أيدينا؟ حيث هو يسأل نزار قباني هل لا زالت بيروت ست الدنيا، وأي سلام ذاك الذي تنشده فيروز؟ وما فائدة أن تدرج المؤسسات الدولية بيروت على قائمة أجمل مدن العالم، بينما نحن نزنّرها بالعوائق؟ وأي سائح سيجرؤ على زيارة مدينة أشباح؟ ولأنّنا لا نملك سوى الأمل سنبقى نردد معك فيروز "من قلبي سلام لبيروت".
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك