خرجَ الرئيس الأميركي باراك أوباما بتصريح لافت منذ أيام، متهمًا حليفة بلاده التاريخية المملكة العربية السعودية بأنّها "تغرّد خارج السرب" في ما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية، وقال إنّ المملكة وراء تأجيج الصراعات في الشرق الأوسط. سيد البيت الأبيض إنتقد أيضًا في تصريحاته لمجلة "ذي أتلانتيك" ما تفعله الرياض من "التعصب الديني" ورفضها التعايش مع إيران، وتصدير "الفهم السعودي الأصولي" للإسلام، وإشعال الحروب بالوكالة بسبب التنافس السعودي – الإيراني.
وطأة الكلام الأميركي نزلت حادّة على المملكة التي ردّت بقوّة على لسان رئيس الإستخبارات السابق
الأمير تركي الفيصل الذي ذكّر أوباما بما تقوم به السعودية من جمع معلومات لمنع حصول هجمات إرهابية ضدّ الولايات المتحدة، وتأسيس تحالف يضم أكثر من ثلاثين دولة مسلمة، لمحاربة كافة أطياف الإرهاب في العالم، وتقديم التبرعات للنشاطات الإنسانية التي ترعى اللاجئين السوريين واليمنيين والعراقيين، وتمويل مركز مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة، الذي يجمع القدرات المعلوماتية والسياسية والاقتصادية والبشرية من دول العالم.
وتساءل الفيصل عن سبب هجوم أوباما على المملكة قائًلا: "هل هذا نابع من استيائك من دعم المملكة للشعب المصري الذي هبّ ضد حكومة الإخوان المسلمين التي دعمتها أنت؟ أم هو نابع من ضربة ملكنا الراحل عبد الله رحمه الله، على الطاولة في لقائكما الأخير، حيث قال لك: "لا خطوط حمراء منك مرة أخرى يا فخامة الرئيس"، أم أنك انحرفت بالهوى إلى القيادة الإيرانية، إلى حد أنك تساوي بين صداقة المملكة المستمرة لثمانين عاما مع أميركا، وقيادة إيرانية مستمرة فى وصف أميركا بالعدو الأكبر والشيطان الأكبر".
الردّ الذي عنونه الفيصل "لا يا سيد أوباما نحن لا نغرد خارج السرب"، حملَ رسائل كثيرة للإدارة الأميركية من رجل شغل مركزًا إستخباراتيًا لـ24 عامًا، وهو العارف بكل "شاردة وواردة" بين المملكة ودوائر القرار في واشنطن.
صحيفة "الوئام" السعودية نشرت تعليقات على الرسالتين الأميركية والسعودية، وربطت بين موقف الأمير تجاه مصر وموقف والده الملك فيصل خلال حرب الـ73 وجاء في أحد الردود: "40 عامًا بين 1973 و2013، احتفظت تلك السنون بمواقف تاريخية لقادة السعودية تجاه مصر، من الملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز إلى خادم الحرمين الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، حتى وإن كان ذلك في وجه بعبع العالم الولايات المتحدة الأميركية".
وذكرت الصحيفة باستدعاء الملك فيصل للسفير الأميركي في المملكة، وإبلاغه رسالة للرئيس ريتشارد نيكسون تحتوي على ثلاث نقاط؛ هي: إذا استمرت الولايات المتحدة في مساندة إسرائيل، فإن مستقبل العلاقات السعودية الأميركية ستتعرض لإعادة النظر، وأن السعودية ستخفض إنتاجها بنسبة 10% وليس فقط 5% كما قرر وزراء البترول العرب، وألمح الملك إلى احتمال وقف شحن البترول السعودي إلى الولايات المتحدة إذا لم يتم الوصول إلى نتائج سريعة وملموسة للحرب الدائرة.
وفي صحيفة "الوطن أون لاين" السعودية، قال الكاتب السعودي طلال آل الشيخ في مقال عنونه "ليته سكت" إن "التحركات العسكرية التي قامت بها السعودية في المنطقة سببت انزعاجا كبيرا لأوباما، كونها تزامنت مع الانفتاح الكبير في العلاقات مع كل القوى الدولية المؤثرة في المنطقة".
توازيًا، عنونت صحيفة "الرياض" تقريرها عن هذا الموضوع بـ"أوباما يستبق التاريخ"، حيث أشارت الصحيفة إلى أنّ أوباما الذى يتحدث عن ضرورة أن تتعايش المملكة وإيران وأن يتشاركا النفوذ، يأتي على عكس الحقيقة التي تخبرنا أن مشروع إيران ليس مشروعاً سياسياً قائماً على التنافس بل عدائي قائم على الإقصاء والإلغاء. وأضافت: "لا عجب أن يدافع الرئيس الأميركي عن سياساته في نهاية ولايته المثيرة للجدل، فمستوى الانتقاد لتلك السياسات لم يبلغ ذروته حتى الآن، وقد يتطلب ذلك عقداً من الزمن، ولا يمكن الحكم عليها بالنجاح أو الفشل على الأقل لدى المؤمنين بالنهج الأوباموي، لكن الثابت اليوم أن ما جرّته السياسات الأميركية بتخليها عن سياسة الحماية، دفعت الرئيس نفسه لاتخاذ خطوات استرجاعية متأخرة مثل إرسال قوات منتقاة إلى سوريا والعودة إلى العراق، وكلها كشفت عن تخبط وسوء قراءة للواقع الحقيقي لحجم التركة التي وجدها أوباما جراء سياسات بوش الابن، وقد يضع ذلك النهج فترة الرئاسة الحالي محل نقد تاريخي قاسٍ كما قلنا.
من جهة أخرى، قال طارق الحميد، رئيس تحرير سابق لصحيفة "الشرق الأوسط" إنّ مقابلة أوباما مع مجلة "ذي أتلانتيك" أظهرت أننا "أمام رئيس يعيش في فقاعة، ومثقف روائي حالم، ومحبط، استعجل وهاجم الجميع قبل رحيله، وها هي إدارته الآن تحاول التبرير للحد من أضرار آرائه غير الدبلوماسية، ناهيك عن كونها غير سياسية".
(رصد "لبنان 24")