إلى من كانت وظلّت وستبقى صورةً تشعُ عطاءً مجبولاً بمرارة سود الأيّام.. إلى من عاندتها السنوات فأمعنت إيمانا.. إلى من لم يُتعبها الدعاءُ جهارةً وهمْساً.. إلى من لم تُرجىء الرجاء لرفعتي.. إلى من لم يفارق الدمع عينها فرحاً كان أم حزنا.. إلى من إذا تنفّست ذكرتني.. وإذا ركعت لرب الكون وسجدت ذكرتني.. إلى من إذا تذوقت ما أحبُّ دوني غصّت.. إلى من حملت همي على الدوام دون ملل أو كلل.. إلى من بلمستها يزول وجعي وعنائي وتعبي... كلّ ذلك لها ودون سواها، أمي.. بالله عليك من أنت؟
أيّ مخلوق من مخلوقات الكون أنت؟ أيّ شيء هذا؟ فناءٌ أم وفاءٌ؟ حنانٌ، دفءٌ أم رجاء؟ حارسُ السرير بقربي وبُعدي.. أأنت الشدة واللين؟ أأنت الرحمة أم الجفاء؟ أأنت المعلم والمنقذ والملهم في آن؟؟؟ من أنت؟ كيف تكوني خيراً وهّاباً لا ينتظر ردّاً؟ من أنت حتى يرضى الأعلى لرضاك، ويغضب تعالى لغضبك؟ من أنت ليجعل الجنة تحت أقدامك ويردّد اسمك بثلاث؟
من أنتِ؟ حتماً لا جواب يشفي السائل إن سأل. من أنت أيا من لفظتني أحشاؤك فلذةَ كبدٍ وبقيت فيها الكبدَ والقلبَ.. بالتعب معي وبالحزن معي، تشاركينني دائي ودوائي.. وكما الإبتسامة كذلك الدمع في عتمتي وضيائي... من أنت لتجمعي ذوات الكلّ بشخصك؟
من هي أمي؟..أنا نفسي لا أعرف.. وحتماً لا أحد يعرف من هي أمّه.. حتماً ما من أحد قادر على فهم تركيبتها إلّا هي.. نعم إلّا هي.. حتى في بساطتها تعقيد.. هي الفرد في نفس الكلّ والكلّ في نفس الفرد.. لكن أنا لا أعرف سوى أنّها وطنٌ في حضنٍ.. مهما أضفت لن أنجح في المهمة.. أحاول لكنّي أعجز، تخونني الكلمات.. ثمة كلمة أبحث عنها لكن عبثاً لا أجدها، أو ربّما هي ليست موجودة في قواميس العالم.. بل لن يجدوها..
في عيدك لن أعدك بأنّني سأفيك حمل الشهور التسع، أو سنين الطفولة وما بعدها من تخبّط، تأففٍ، تمرّد، رفض وعجرفة.. لن أفعل لأنّني لن أفيَ بوعدي أبداً، فتراني أحتاج سنين جيل ثمّ جيل ثم جيل.. لردّ المتواضع من ديْن وجَميل.
أمي.. في كلّ عيد كنت أتوّجك سيدة وملكة بهدوء صمتٍ، لكنّي أدركت أنّ الصمت فيك كفرٌ.. سيدة العام والأعوام.. هذه هي أمي، أمومة لا تنتهي.. رجائي أن يعطيها الأعلى وأمهات العالم مديد العمر والصحة. أمي.. عاشت الأسامي.. ولأمهات العالم: بوركت الأرحام..