حسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قراره أمس، معلناً انتهاء مفاوضات السلام مع الأكراد، ونيته إسكات المعارضة في بلاده، وذلك بعد زيارة "غير عادية" إلى الولايات المتحدة الأميركية أواخر آذار الفائت، تخللتها مواجهة بين الرئيس وعدد من المحتجين على سياسته، أمام معهد بروكينغز في واشنطن، ما لبثت أن تحولت إلى صدام بين رجال أمنه والصحافيين.
وفي وقت اعتبرت فيه واشنطن أنّ طريقة التعاطي مع المتظاهرين العنيفة تعكس حقيقة ما يحدث في أنقرة، وصفتها الأخيرة بالمهانة لرئيسها، علماً أنّ مسؤولية أمنه تقع على عاتق الدولة المضيفة. إلاّ أنّ هاتين القراءتين ليستا ما يلفت النظر في هذه الحادثة، بل عدم تعليق البيت الأبيض عليها، وعدم تطرّق أردوغان ونظيره الأميركي باراك أوباما إليها خلال لقائهما لاحقاً في ذلك اليوم، فركزا على "داعش"، المسألة التي لم يكونا ليتفقا عليها أبداً، وفقاً للمحلل الاستراتيجي جورج فريدمان في مقال نشره موقع "جيوبوليتيكال فيوتشرز" الأميركي.
أمّا عن أسباب الاختلاف في وجهتي النظر الأميركية والتركية حول "داعش"، فذكر الكاتب رفض أردوغان صب اهتمامه على قتال التنظيم في سوريا بالنيابة عن أوباما بدلاً من "حزب العمال الكردستاني"، باعتبار أنّ الأخير يشكل تهديداً مباشراً لأمن البلاد الجيوسياسي، على عكس "داعش". ومن هذا المنطلق، لفت فريدمان إلى أنّ الأكراد المسيطرين على جنوب شرقي تركيا، وشمال شرقي العراق، وأجزاء من غرب إيران، وأخرى في سوريا، قادرون على إنشاء تيار انفصالي في تركيا، سيؤدي إلى تقسيمها، أو إلى إنشاء دولة قومية لا يُعرف الكثير عن قوتها، في حال انضم إلى الحكومة الإقليمية الكردستانية العراقية.
وبعدما أكّد الكاتب أنّ تركيا على خلاف مع الولايات المتحدة، التي انتهجت أنقرة سياسية حيادية أو مؤيدة لها منذ تأسيسها، وروسيا، لاسيّما بعد إسقاط طائرة "السوخوي" السنة الفائتة، كشف أنّ أردوغان يدرك وضع بلده الجيوسياسي تماماً، فيتحدى واشنطن وموسكو على السواء، نظراً إلى عدم حاجته إليهما وعدم قدرتهما على تهديده.
من جهة ثانية، أشار فريدمان إلى أنّ أردوغان يطبق سياسة ديكتاتورية بعض الشيء، من دون أن يصفه بالمجنون، كما يفعل البعض، فيعي ـماماً أنّ بلاده منيعة للتدخل الأجنبي من ناحية وغير مستعدة لخوض مغامرات عسكرية أجنبية من ناحية ثانية. وفي هذا الإطار، برر الكاتب سعي الرئيس التركي إلى قمع المعارضة السياسية في بلاده وعزمه على تسوية مسألة الأكراد، لافتاً إلى أنّه يستفيد من أوروبا التي تدفع له المال مقابل حلّ أزمة اللاجئين التي تعانيها.
(ترجمة لبنان 24 - Geopolitical Futures)