وأخيراً.. إتحد اللبنانيون بعد انقسام على قضية وطنية بامتياز تمس تاريخهم وإرثهم وعروبتهم وسيادة دولتهم ورمزهم الوطني. الغضب العارم من قبل الرأي العام الشعبي إمتد كالنار في الهشيم محذراً من عقوبات شرسة ستتخذها دولتهم رداً على الإهانة، فــ"شعب لبنان خط أحمر".
بداية، وإن أردنا حصر الإهانات، المتكاثرة مؤخراً لأسباب سياسية معلومة، بالأرزتين، فقد أهين علم لبنان من قبل مؤسسة إعلامية عربية عريقة، صحيفة "الشرق الأوسط"، في تعدٍ واضح وصريح على رمز وطني هو الأرزة بالإشارة إلى أنها كذبة أول نيسان و"لا مين شاف ولا مين دري". وفي أقل من أسبوع، ظهرت الإهانة التالية طالت أرزته الفنية، العملاقة فيروز، عبر مؤسسة لبنانية إتهمتها بالعنصرية تجاه ذوي البشرة السوداء بناءً على استنتاج ساذج قائم على بضع كلمات من أغانيها القديمة، دون أي ربط منطقي بين الإتهام والدليل المعطى، في تهجم مقصود، ولعله مدفوع، وانقلاب مفاجئ تعرفه هذه المؤسسة، وأيضاً "لا مين شاف ولا مين دري"!!.
هكذا، اعتمر أولياء أمر لبنان، المسؤولون عن وحدته الوطنية، قبعة الإخفاء فجأة. لا تصريح.. لا موقف احتجاجي.. لا إجراء قضائي.. لم يُسمع صوتهم الصادح يومياً، كالمآذن والأجراس في أوقات الصلاة، على الشاشات والإذاعات وفي الصحف والمجلات. خَفَرٌ واستحياء قابله هزّ الرأس صعوداً ونزولاً في إشارة موافقة. فيما اكتفى وزير الإعلام رمزي جريج بوصف كاريكاتور علم لبنان الكذبة بالـ"سمج"، واعداً باتخاذ تدابير في هذا الصدد، وحتى الساعة "عالوعد يا كمون".
مَن يَسترجع كرامة لبنان وشعبه إذاً؟ انتهج عِلية القوم مبدأ "لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم"، فيما جراحات لبنان تنزف، وإهانة أرزته مرتين في أقل من شهر له تداعيات كبرى لا بد من معاقبة المسؤولين عنها، وإلا أصبحنا نعيش في "نصف دولة"، تأمر وتنهى، مع وقف التنفيذ وقت الحاجة، وتارة تعتبر الإهانة والذم "حرية" وأخرى تعتبرها "جريمة وإخباراً للقضاء" بحسب الحاجة، وإن استمر الصمت سيد الموقف، فإن لبنان، للأسف، لن يكون فقط كذبة.. لا بل "كذبة ونص"!
صحيح أن لبنان بلد التناقضات، كل ما فيه يؤذن بجنون وغرابة، حتى بات المواطن العاقل مشكوك بأمره وبميوله "النفسية"، وصحيح أن الفساد مستشري، والسرقة على عينك يا تاجر، والغذاء سالمونيلي، والبحر ملوث، والأسماك مسرطنة، والدعارة مغطاة، والاختلاسات في كل القطاعات داخلياً وخارجياً، والدمار مسيطر على كل الأصعدة سياحياً وإقتصادياً وأمنياً، والرشاوى فاضحة، والعصابات منتشرة، هذا عدا التناتش الداخلي الذي يزيد الطين بلة من قبل أحزاب وأطراف وزعامات لكل منها مصالحه الخاصة، والتدخلات الخارجية لدول ومحاور تسعى لتوسيع رقعة نفوذها، ما يسقط شعار "سيادة الدولة". صحيح أن كل هذه السقطات والفساد "ولا مين شاف ولا مين دري". لكن الغريب أنه وبدلاً من أن تسعى الدول العربية لمساعدة دولة شقيقة غير قادرة حتى على إنتخاب رئيس لها، تبادر إلى اتخاذ إجراءات وتنزل أشد العقوبات على مواطنيه المغتربين لديها، لأسباب سياسية بحتة لا دخل لهم فيها، والغريب أكثر أنه وبدلاً من أن تواجه الدولة اللبنانية مشاكلها بمزيد من اللحمة الوطنية، والمواجهة المشتركة للتحديات، تبدو عاجزة، مفككة، متعثرة عند أول إختبار جدي!
أيها الوطنيون الغيورون المخلصون، وقبل أي تفسير متسرّع أو خاطئ، وحتى لا تكونوا غافلين عن كابوس يعيشه كل مواطن كادح في لبنان وخارجه، ليس المقصود بـ"كذبة ونص" لبنان الوطن، التاريخ، الكرامة، الهوية، الجمال، التميز وتحدي الصعاب، فهذا هو لبنانيا الذي كنا وما نزال وسنبقى نؤمن به، ونتمسك فيه، بل المقصود من وراء خرابه وتغييبه، والساعين بشتى الطرق إلى إفشاله مقنعين بتفسيراتهم الأنانية لمفهوم الوطنية والسيادة. فجميعنا يعلم أننا لم نعد في بلد حر وسط تنافس المحاور وتناتش القوى الكبرى. وعن الإهانتين، صدق من قال: "بيقتلوا القتيل وبيمشوا بجنازتو"!