يتوقع للإنتخابات الفرنسية المزمع إجراؤها في نيسان 2017 المقبل أن تحدث تغييرات ستطال مستقبل البلاد السياسي والاتحاد الأوروبي على السواء، بعد سنوات من التراجع الاقتصادي وخيبات الأمل السياسية.
الاستراتيجية الوطنية الفرنسية
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ارتكزت الاستراتيجية الوطنية الفرنسية إلى ثلاثة أسس، فسعت فرنسا إلى التحالف مع ألمانيا المفككة والمقسّمة، لحماية أمن القارة التي نجحت في قيادتها في نهاية المطاف، ممهدة الطريق لإنشاء عدد من المؤسسات الأوروبية سبقت إنشاء الاتحاد الأوروبي.
من ناحية ثانية، سعت فرنسا إلى حماية استقلالية سياستها الخارجية، فلم يثق رئيسها شارل ديغول بالمنظمات الدولية، وهكذا انسحبت في عهده من قيادة حلف شمال الأطلسي السياسية وعارضت عضوية بريطانيا في السوق الأوروبية المشتركة.
ثالثاً، سعت فرنسا إلى بناء جمهورية قوية، فدعا ديغول إلى سلسلة إصلاحات بعدما أنهكت التحالفات الهشة والسلطات التنفيذية الضعيفة والحكومات التي لم تدم ولايتها طويلاً النظام البرلماني الفرنسي على مدى قرن تقريباً، هذه الإصلاحات هدفت إلى وصول رئيس يتمتع بالشرعية الدمقراطية القوية إلى الحكم.
وفي الفترة اللاحقة، نجحت فرنسا في الحفاظ على سيادتها القومية، وعلى رغم أنّ السوق الأوروبية المشتركة أحرزت تقدماً بين أواخر خمسينات القرن الماضي وبداية الستينات، ظل القادة الفرنسيون يشككون في المبادرات التي من شأنها أن تضعف استقلال بلدهم، وذلك في ما يتخص بالمسائل غير الاقتصادية.
الاستراتيجية تتعرّض لضغوط
إقتصادياً، انخفض معدّل الناتج المحلي الإجمالي من 2.2% للفترة الممتدة بين العامين 1995 و2004 إلى 0.7% للفترة الممتدة بين 2005 و2014، أضف إلى ذلك معدّل البطالة الذي تخطى معدل الاتحاد الأوروبي خلال العقد الماضي.
من جهة ثانية، أكّدت الأزمة التي شهدتها منطقة اليورو أنّ ألمانيا هي الدولة الأوروبية التي تتمتع بالقوة السياسية والاقتصادية الأبرز وليست فرنسا، ما من شأنه أن يهدد استقلالية هذه الأخيرة، لاسيّما إذا كانت برلين تسعى إلى فرض وجهة نظرها الخاصة في ما يختص بعمل الاتحاد الأوروبي. وهذا يعني أنّ أكبر بلدين في الحلف القاري غير متفقين على إصلاح هذا الاتحاد وبالتالي غير متكاملين.
أمّا سياسياً، فيظهر الواقع أنّ الشعب الفرنسي يفقد إيمانه بقادته، فلا ينفك عهد الرؤساء يقصر، إذ بقي الاشتراكي فرانسوا ميتران في سدة الرئاسة لولايتين، وذلك من العام 1981 إلى 1995، شأنه شأن المحافظ جاك شيراك الذي ترأس البلاد من العام 1995 إلى 2007. في المقابل، لم يترأس اليميني الوسطي نيكولا ساركوزي فرنسا إلاّ لولاية واحدة انتهت في العام 2012، كما يُتوقع لليساري الوسطي فرانسوا هولاند أن يبقى رئيساً لولاية واحدة أيضاً، إذا ما صدقت إحصاءات شعبيته.
وفي ظل التراجع الاقتصادي المستمر، والمخاوف من تأثير المهاجرين في الهوية الوطنية وتهديدات الأمن القومي الأخيرة، يعتبر الفرنسيون على اختلاف انتماءاتهم الحماية الوقائية هي الحل، ما يفسر ارتفاع شعبية "الجبهة الوطنية" التي تعد بإعادة العظمة إلى فرنسا عبر مغادرة منطقة اليورو، زيادة الانفاق العام واتخاذ إجراءات قانونية وأمنية أكثر صرامة في مواجهة الهجرة والمهاجرين.
الانتخابات المصيرية
نظراً إلى حجم فرنسا الجيو- سياسي في أوروبا، قد ترسم الانتخابات المقبلة مستقبل القارة ككل والاتحاد الأوروبي، وفرنسا على السواء.
وبناء على واقع الاتحاد الأوروبي اليوم، سيكون أمام فرنسا 3 خيارات:
أولاً، قد تعترف فرنسا بفقدانها السيطرة على العملية السياسية في أوروبا، أقلّه مؤقتاً. وفي هذه الحال، يمكن أن تقبل بقيادة ألمانيا التي قد لا يتوافق نهجها في القيادة مع فرنسا. أمّا إذا واقفت ألمانيا على إعادة هيكلة الاتحاد الأوروبي وفقاً لوجهة النظر الفرنسية، فسينبغي لباريس أن تتنازل عن بعض من سيادتها الوطنية من جهة وأن تخضع لسيطرة برلين من جهة ثانية.
ثانياً، قد تقود فرنسا حلفاً متوسطياً، وتقسم منطقة اليورو إلى قسمين، شمالي وجنوبي أو قد تفرض استخدام عملات وطنية مختلفة، علماً أنّ هذا السيناريو إذا ما تحقق لن يعني خلافها مع ألمانيا، لكنه سيقلل احتمالات التعاون بين البلدين. علاوة على ذلك، قد تتحمل فرنسا مسؤولية منطقة ترتفع فيها الديون معدلات البطالة وتسود فيها المؤسسات الضعيفة، إذا ما قادت حلفاً متوسطياً.
ثالثاً، يعتبر هذا الخيار الأكثر ترجيحاً، إذا ظلَّ التراجع الاقتصادي كما الخيبات السياسية يشحن مشاعر المشككين، وهو يقضي بمطالبة الدول الأعضاء بامتيازات من بروكسل، ما من شأنه أن يحوّل الاتحاد الأوروبي إلى حلف، إلى حدّ ما، بين الدول السيادية. في إشارة إلى أنّ خطوة كهذه تتماشى مع وجهة نظر المملكة المتحدة حول أوروبا، ولكن إلى حدّ ما.
في الختام، سيحول النظام الانتخابي القائم على دورتين في فرنسا دون وصول "الجبهة الوطنية" حالياً، إلاّ أنّ الظروف التي مهدت إلى ارتفاع شعبيته لن تزول. في ما يتعلّق بالرئيس العتيد، فسيكون عليه التعاطي مع ناخبين يشككون بقيادة بلادهم. وهكذا، سيظل خيار "الجبهة الوطنية" يعبَّر عن يأس الشعب، أمّا بالنسبة إلى الأحزاب الأخرى، المعتدلة منها حتى، فيمكن لأجندتها السياسية أن تشبه ما ينتهجه الحزب اليميني المتطرف أيضاً.
وهذا يعني أنّه سيكون لنمو المشاعر المعادية للمؤسسات الحاكمة في باريس تأثيراً كبيراً في مستقبل الاتحاد الأوروبي، وعليه قد تكون الانتخابات الرئاسية العامة المقبلة في فرنسا الأخيرة لفترة ما بعد الحرب، علماً أنّ تداعياتها ستطال القارة الأوروبية برمتها.
(ترجمة لبنان 24 - Stratfor)