كرّمت دولة الإمارات العربية المتحدة قبل أيام الروائي والكاتب اللبناني الكبير أمين معلوف ضمن احتفالية "جوائز الشيخ زايد للكتاب" المرافقة لفعاليات معرض أبو ظبي للكتاب.
والتكريم لمعلوف، ضمن ثلة من مثقفين عرب كبار، مناسبة للإضاءة على واقع الثقافة العربية وإشكالياتها، حاضراً ومرتجى، وهو الأديب اللبناني الأصل الذي أنتج وينتج بالفرنسية من مطالع الثمانينيات من القرن الماضي، روايات ذات أصول عربية وإسلامية وإشكاليات عربية وإسلامية، منذ "الحروب الصليبية كما يراها العرب" (1983)، ورائعة "سمرقند" (1986)، و"موانئ المشرق" (1996)، أو تتنزّل بالملاحم الاسطورية على الواقع المعاش كما في "ليون الأفريقي" (1984)، و"صخرة طانيوس" (1993)، و"رحلة بالداسار" (2000)، وصولاً إلى الخلاصات ذات البعد السياسي النقدي التجديدي في "الهويّات القاتلة" (2002)، و"اختلال العالم" (2009)، و"التائهون" (2012).
نعرف أن الرواية التاريخية أكثر أنواع الرواية رقياً، فهي تسمو بموضوعاتها وتسعى لإحياء ماضٍ وتوظيفه في قراءة حاضر ومستقبل. ويكاد يجمع نقاد نظرية الأدب أن هذا الجنس الروائي، وإن كان دخيلاً على الأدب العربي الحديث، إلا أنه ومنذ نشأته قبل أكثر من قرن من الزمن مع الأميركي ستيفن كرين صاحب "شارة الشجاعة الحمراء" ثم مع الاسكتلندي والتر سكوت صاحب "ويفرلي" فإنه يحاكي الملاحم التي تمجّد المآثر، وتستنهض التاريخ لكن لغاية سامية تتعلق بالحاضر... والمستقبل.
هكذا تمضي أعمال أمين معلوف باتجاه يصبح معه المتخيَّل حاضراً وتاريخياً في الوقت نفسه. فالوقائع أو ما يُحسَبُ كذلك بعد إعادة تركيبها بشكلٍ جديدٍ تُظهر إمكانياتٍ تأويليةً أُخرى للتاريخ، وتُطِلُّ من خلال ذلك على الحاضر فيما يشبه السحر. هنا تجد غابرييل غارثيا ماركيز (1927 – 2014)، وتعتثر على جيمس روستون جونيور في "مقاتلون في سبيل الله" (2002) عن القصة الملحمية لصلاح الدين الأيوبي وريتشارد قلب الأسد.
تكريم أمين معلوف، ومن قبله الاحتفال بغسان سلامة، تكريم للبنان، لكنه أيضاً احتفاء بالثقافة العربية الجديدة التي تتميز (لجهة الرواية أو التاريخ أو المنهج) بالاسلوب والمصطلح الحداثي، وترصد التحولات الحضارية الكبرى، وتساهم في رسم الصورة العربية الحديثة لدى الغرب في زمن النزوع العالمي الشديد. تلك الصورة التي خضبها إرهاب القرن الحادي والعشرين بجداليات الافتراق عن العالم والتصادم معه، ذلك أن أعماله كلها، بحق، إضافة لافتة في فن الرواية التاريخية، ومساهمة فاعلة في خلق بدائل للحاضر الأسود، ومستنقعات القتل والتهجير، وفتح آفاق مستقبلية للعقل العربي. مستقبل الوصل الحضاري والمعرفي والفكري الذي نحتاجه بقوة.
أول من أمس، قال صاحب "الهويّات القاتلة" بُعيد تكريمه إن شغفه بالتاريخ "هروب من الحاضر، وحزن على الواقع، وألمٌ على غياب المستقبل"، هكذا لفت أمين معلوف إلى أن "العالم بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن يسمع من العرب ما يعكس الإشعاع الحضاري الذي عاشوه يوماً ما، فمن يتعمق في تاريخه وفي معنى حضارته يستطيع بناء الحاضر.. فالثقافة هي التي تحدد القيم، وهي التي تحدد وجهة المستقبل".