على بعد ايام من اطفاء الفراغ الرئاسي شمعته الاولى، تنشغل الساحة الداخلية بالمبادرة الرئاسية التي طرحها النائب ميشال عون، وراح ممثلون من "التكتل" يجولون بها على مختلف القيادات والاحزاب والمرجعيات الدينية بغية تسويقها وقياس مدى قابليتها للحياة. كثرت التعليقات والمواقف والتحليلات، بين مؤيد يعتبرها الحلّ الانسب لانقاذ الجمهورية وتصحيح التمثيل، ومعارض رأى فيها هرطقات دستورية يستحيل تطبيقها خصوصاً انها فصلّت على قياس "الجنرال"، وبين صامت متأن في اصدار الحكم عليها.
المبادرة ليست دائرية الشكل: ثمة اكثر من "زاوية" اقتراح. يشرح وزير العدل السابق شكيب قرطباوي في حديث لـ "لبنان 24" ان المبادرة تحمل اكثر من حلّ. شخصياً، يفضلّ البند الذي يدعو الى اقرار قانون انتخابات عادل ويضمن التمثيل الصحيح، واجراء انتخابات نيابية على اساسه ليختار النواب الذين يمثلون الشعب رئيس الجمهورية. انه حلّ دستوري، برأيه، واهمّ ما فيه مبدأ العودة الى الشعب. ثمة اقتراح آخر يقضي باجراء استقصاء احصائي تقوم به شركات متخصصة، بحيث يُستطلع رأي المسيحيين حول الزعيمين المسيحيين الاقويين، ليختار اعضاء المجلس النيابي على اساس هذا "السونداج" واحدٌ من بين الاثنين.
نسأل الوزير: هذا الطرح كان قابلاً للتطبيق من دون اللجوء الى عملية الاحصاء، بحيث اختار فريق الرابع عشر من آذار الدكتور سمير جعجع كمرشح، وكان يفترض ان يترشح عون عن فريق الثامن، فيختار النواب بينهما؟! يجيب قرطباوي:" لم يكن واقع الامر كذلك. هناك من كان يريد "تركيب مقلب" وتمرير ما يريده من تحت الطاولة".
الاقتراح الآخر، والذي تلقى النسبة الاكبر من "الاخذ والردّ"، يقول بانتخابات مباشرة من الشعب تجري على دورتين: في الاولى، ينتخب المسيحيون فقط، "ليُعرض" الفائزين الاول والثاني في المرحلة اللاحقة على الشعب اللبناني كلّه. يقرّ قرطباوي بأن هذا الاجراء يحتاج الى تعديل دستوري، وكذلك يفعل وزير العدل الاسبق ابراهيم نجار الذي اعتبر في حديث لـ "لبنان 24" ان "هكذا نظام يسمّى نظاما رئاسياً، لكن تصحّ تسميته ايضاً بالنظام الاستبدادي كونه يضرب حقوق الاقليات ولا يوفق بين الفئات المتعددة التي يتألف منها المجتمع اللبناني المركب فتصبح الاكثرية العددية هي الطاغية وتزول عندئذ كل الامكانات التوفيقية بين هذه الفئات".
يشرح نجار ان "من مكتسبات اتفاق الطائف، خروجنا معه من منطق الاكثرية العددية الى المناصفة القائمة على التعددية، التي لم تكن صدفة تاريخية في لبنان بل شكلّت الاسس التي قام عليها"، معتبراً ان "اللجوء الى منطق الاكثرية وتجاوز الضرورات التعددية هو استنجاد بحكم الاكثرية العددية، وهي قد تتحول في المستبقل باتجاهات غير مرتقبة وبالتالي الدخول في المجهول".
يرى نجار ان مبادرة عون تشترط نوعاً من "الفلتر"، الذي يضمن حصوله على الاكثرية بين المسيحيين، وهي تناقض ليس فقط ميثاق 43 واتفاق الطائف، بل ايضاً نص الدستور والغاية المحورية التي من اجلها قام لبنان".
غير ان قرطباوي يرى ان "الميثاقية ضربت ولا تزال"، فيقول:" العام 2005 حصد عون اكثر من 70 في المئة من اصوات المسيحيين، فماذا سمح له ان يفعل؟" ودعا الى الكفّ عن اضعاف دور المسيحيين وموقعهم، "فكما لرئيس مجلس النواب قاعدة شيعية، وكذلك لرئيس مجلس الوزراء قاعدة سنية، يجب ان يختار الاقوى مسيحياً".
أليس هذا تكريساً للطائفية؟
يوافق قرطباوي عازياً السبب الى "هذا الواقع المفروض". يشاركه الرأي الخبير الدستوري الدكتور صلاح حنين، آسفاً لتحويل المواقع الوطنية الى مواقع طائفية. يقول في حديث لـ "لبنان 24"، ان "هذه المواقع الثلاثة يشغلها اشخاص من طوائف محددة، وفق العرف، لكنها لجميع اللبنانيين".
ويلفت حنين الى ان المبادرة العونية في شق الانتخابات المباشرة من الشعب تحتاج الى تعديل دستوري. على رغم هذا، فانها غير قابلة للتطبيق في دولة طائفية. ويشرح متخوفاً من نسف المناصفة المرتضية من قبل الافرقاء:" اذا ما ابصر هذا الاقتراح النور، فإن الضوابط الراعية للميثاق، والتي يحافظ عليها 128 نائباً، قد تختفي في حال بات يتحكم بها الشعب".
ينطلق حنين من مبدأ "انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب". في كلّ الامكنة والازمنة، يعني هذا المبدأ ان "الكلّ ينتخب الكلّ". اذاً، من غير المعقول "لبننة" هذا المبدأ على قاعدة اعطاء الحرية الكاملة للشعب ومن ثمّ تقييده بالطائفية.
يوضح حنين اكثر: "بالاعتماد على مبدأ "الكل ينتخب الكلّ"، يمكن الشعب، بأصواته غير المسيحية في الدورة الثانية، ان ينتخب من يشاء، بصرف النظر عن اسمه وطائفته. ماذا لو وجدت مليون ورقة تحمل اسم مرشح آخر، غير المرشحين المارونيين اللذين "تأهلا" بالصوت المسيحيّ في الدورة الاولى؟ هل يعقل الغاؤها؟ اين ستصبح شرعية رئيس فاز بأصوات اقلّ مثلاً من الملغاة؟ وهل يمكن بهذه البساطة سلب الشعب حريته وصوته؟
قرطباوي لا يتخوّف من هذا الامر، اذ ان الحلّ يكمن في اقرار قانون يلزم الشعب باختيار احد المرشحين المسيحيين فقط، وهذا ما يعتبره حنين غير وارد، اذ لا يجوز اقرار قانون مخالف للدستور.
يدافع قرطباوي عن الطرح العوني قائلا "اذا كان اللجوء الى الشعب لا يعني ديمقراطية، فاني اسأل نفسي ما هي الديمقراطية"؟ فيما يرى نجار ان الحل الوحيد هو بنزول النواب الى البرلمان وانتخاب رئيس. اما حنين فيدعو الى انتخاب ضمن كل فريق ليفوز احدهم، ومن ثمّ انتخاب النواب لاحد الفائزين، تماماً كما يحصل في فرنسا على سبيل المثال.