كان الصوت قوياً، يخبرنا بعض المراسلين من "موقع الحدث". تظهر الصورة "الحيّة" حطاماً وزجاجاً وجدران "عارية". تبحث الكاميرا عن لقطاتها "التقليدية"، فتُصاب بخيبة أمل! لا دماء ولا أشلاء ولا عويل من متحسسي الموت. فالانفجار الذي هزّ فردان، "خارج سياق العبوات التقليدية"، "يُطمئن" وزير الداخلية نهاد المشنوق على الفور. هل نفهم اذاً أن في لبنان عبوات تقليدية أو كلاسيكية وأخرى "مودرن" و"موديل السنة"؟!
بالطبع، فإن ما يعنيه المشنوق لا يقارب استنتاجنا الساذج هذا! يُفهمنا أن المستهدف هو "بنك لبنان والمهجر". وأن الانفجار مجرد رسالة، ولا يهدف الى اسقاط ضحايا. يؤكد ان العملية "ارهابية"، لكنه "ارهاب" من نوع آخر. من هو هذا "الارهابي" اذاً؟ يرفض وزير الداخلية توجيه الاتهامات الى جانب محدد، غير أنه يلمح الى ارتباط عبوة فردان بالأزمة ما بين "حزب الله" والمصارف.
هذه الخلاصة استنتجها وتبناها كثيرون من أصحاب الرأي وأهل السياسة والمتابعين لتطورات الساحة المحليّة والعالمية. الرسالة موجهة الى المصارف عبر "بلوم بنك" الذي اعتبر انه من أكثر المؤيدين والمتحمسين للقانون الأميركي، كما قيل وتردد. الا ان ما تباين في المواقف والاستنتاجات والتحليلات، تمظهر في "هوية" المرتكب، وفي "تقويم" وقع الانفجار!
فإذ وجّه البعض أصابع الاتهام نحو حزب الله معتبرا انه الجهة التي تقف خلف العملية في محاولة منه لايصال غضبه تجاه التدابير المالية وافهام من يعنيه الأمر انه يملك من القوة ما تخوّله زعزعة الاستقرار بل وضرب الامن ساعة يشاء، رأى آخرون ان ليس من مصلحة "الحزب" ادخال نفسه في مثل هذه المواجهة التي ستقلّب الرأي العام كلّه ضده، معتبرين أن زارع العبوة هو طرف ثالث او جهاز استخباراتي يسعى الى حصد فتنة داخلية ومحاصرة حزب الله في دوّامة يصعب الخروج منها.
وتوازياً، ثمة من خفف من هول الرسالة ووقعها معتبراً أن شظاياها لن تتعدى حوض الورود التابع للمصرف ولا مساء حارا من حزيران، وأن "غداً يوم آخر" والمصارف ولبنان والدنيا بألف خير! ولكن في مقابل هذا التفاؤل، هناك من تلقف دويّ الانفجار "بمكبرات صوت"، فخلص الى ان هذه الرسالة خطيرة وكبيرة ومن الصعب ان تمر مرور الكرام. بل اكثر...لعلها البداية!
رأس جبل الجليد.. والحائط مسدود!
في قراءة سياسية بحتة، يقارب الكاتب والمحلل السياسي سام منسى أبعاد تفجير "فردان"، معتبراً في حديث لموقع "
لبنان24" ان "معرفة نتائج هذه العملية تفوق بأهميتها كشف هوية مرتكبها". برأيه، لا يمكن حصر هذا التفجير في "قفص" موضوع القانون الاميركي والمصارف اللبنانية و"حزب الله"، وتناسي كل الاحداث التي سبقته. ولا تنقضي هذه العملية ببعدها المحلي، ولا حتى الزمني.
يعتبر منسى ان ما حدث ويحدث بالغ الخطورة، و"اننا قادمون على مرحلة حرب مختلفة ستطالنا وتؤذينا، لا سيّما وأن الافق مسدود". يشرح أن الادارة الاميركية اتخذت قرارها بانزال عقوبات مالية بحق حزب الله وليست بصدد التراجع عنه، بل ان المطلوب ايضاً "ترجمة" هذه الاجراءات على المستوى الأوروبي والدولي. اللافت ان الاميركيين فصلوا موضوع الاتفاق النووي مع ايران عن لبنان، فهم قد افرجوا عن 170 مليار دولار للمموّل الرئيس لحزب الله (ايران)، لكنهم في الوقت عينه يسعون الى ضرب اذرعها في الخارج. ما تقوم به الادارة الاميركية هو اجراء جردة حساب مع الحزب، وهي جادة في هذا الاطار. ولا ننسى ان لبنان بلد "سكيزوفريني" يستسهل تصديق مواقف المحاور واراداتها ومن ثم يدفع الثمن.
من جهته، يرفض "الحزب" هذه التدابير محاولا القول بأنه في حال وضعت السكين على رقبته "فعليّ وعلى اعدائي". وأمام هذا الواقع، تجد المصارف اللبنانية نفسها غير قادرة على عدم الالتزام بالقرار الاميركي لأن اي تخلّف سيرتب نتائج وخيمة تطيح بسمعتها الجيّدة عالمياً بل وتضربها في الصميم. "نصل الى Dead end"، يقول منسى سائلاً: "أين هو المخرج؟"
برأيه، هذه الأزمة تشبه كل المواضيع المرتبطة بحزب الله. يوضح أكثر: "ما زلنا في لبنان نتحدث عن انتخابات رئاسية وقانون نسبية وبلديات ونفايات وسدود...من دون ان نعي ان المشكلة الرئيسية في مكان آخر".
وهي، بحسب منسى، تتلخص بأن قرار لبنان السياسي مخطوف منذ 30 عاماً، وكل الحلول التي تُبتدع غير قادرة على تغيير المعادلات:" حزب الله يعمل وفق اجندة خارجية ويطبق قراراتها واهدافها ومصالحها، وبالتالي فهو لا يسأل ما اذا كانت النتائج تصب في مصلحة لبنان".
ولكن في موضوع المصارف تحديداً، يلفت منسى الى ان التضييق على حزب الله سوف يؤلمه في مكان ما، لكن ليس بمقدار الأذية التي تطال جمهوره تحديداً، ليطرح السؤال الأهم: "هل سيأخذ الحزب بعين الاعتبار مصلحة جمهوره فيضحي بمصالحه الخاصة ويترك للمصارف العمل وفق ما تقتضيه المصلحة العامة، أم انه سيعاند ويضرب عرض الحائط كلّ هذه الامور على غرار ما يفعله في كل المواضيع الاخرى؟...وهنا الخطورة، أي اغتيال القطاع المصرفي في لبنان...وهذا هو رأس الجليد"!
برأي منسى، لا يمكن الاطمئنان الى ما يقوم به "حزب الله"، لا سيّما وانه لم يخش يوماً ارسال رسائل تحمل توقيعه، ومن ثمّ طلبه الخروج بتسوية "من صياغته". حلّ هذه الازمة لا يكون الا بتراجع من الحزب، والا فسيكون قد قرر استعمال لبنان، مرة جديدة، كورقة وصندوق بريد. والحال ان العواقب ستكون وخيمة على القطاع المصرفي كما السياحي على ابواب الصيف.
ويعتبر منسى ان اللبنانيين لا يرون المشكلة الحقيقية، وهذه هي الكارثة:" المشكلة بدأت في العام 1978 مع بداية الثورة الايرانية ومخطط تغيير هوية الشيعة في لبنان، اي تغيير هوية لبنان، وهي في كل مرة تنفجر بعنوان مختلف".
فهل حقاً حركت او سعت كيلوغرامات عبوة فردان الخمسة الى تحريك الفالق الزلزالي والذي سيضرب في نهاية المطاف ما لم توضع مصلحة لبنان في الأولويات؟!
(خاص "
لبنان 24")