فعلها فتى الكتائب النائب سامي الجميل وخرج من الحكومة فأصاب "التيار الوطني الحر مقتلاً داخل جمهوره وفي عمق بيئته الشعبية. لعله الحنين إلى زمن النضال السياسي راود الجميل، أو نزعة اﻻحتكام للشارع هي التي امنّت له الغطاء للمشروعية الشعبية بخطواته المتدرجة وصولاً الى قلب الطاولة فوق رؤوس وزراء عون تحديداً، وقد اتت اﻻستقالة إحتجاجاً على قضية طمر النفايات من دون فرز بين الدورة ونهر الموت.
وعلى رغم التصويب العوني على اﻻستقالة وإعتبارها من باب المزايدة السياسية فإن نواب التيار في ساحل المتن قبل غيرهم يدركون الثمن الشعبي الباهظ الذي سيتكلفون بدفعه من كيسهم في صناديق اﻻقتراع جراء القضية البيئية المثارة. فالتبريرات التي لجأ اليها الوزير الياس ابو صعب أو اﻻتهامات التي ساقها النائب ابراهيم كنعان لم تخفف من تظهير صورة الكتائب كحزب يتبنى مطالب المجتمع المدني ويتناغم معها بطريقة تحاكي اساليب مجموعات عون في الشارع قبل الدخول لجنة الحكم والظفر بالمناصب والمكاسب.
بدا التيار، الذي إكتمل نموه التنظيمي والحزبي، وكأنه شريك كامل بالتكافل والتضامن مع الطبقة السياسية بكل الملفات التي تفوح منها روائح الفساد عكس شعاراتهم المرفوعة، في حين إستغل الجميل اللحظة لتجديد حزبه الهرم والتماهي مع خطاب المعارضة.
يطلق الرواة المطلعون على اجواء لقاء عون بالنائب سامي الجميل، الذي سبق القرار باﻻستقالة، لقب "اﻻتجاه المعاكس". فجنرال الرابية لا يعير إهتماماً لقضية بيئية وشعبية بقدر تركيزه على رئاسة الجمهورية بصفتها الاولية اﻻساس راهناً، والتي يرتكز عليها عون في سبيل قيام حكم قوي وتنبثق عنه حكومة جديدة قادرة على ادارة شؤون الدولة، في حين يرى الجميل أن الوضع الشعبي ما عاد يتحمل المزيد من الفضائح والتفريط بالحقوق كما جرى بقضية طمر ساحل المتن ومن دروس وعبر اﻻنتخابات البلدية بأن الجميع على موعد المقصلة الشعبية عند اول استحقاق إنتخابي مهما بلغت الشطارة في إعداد قانون اﻻنتخابات النيابية .
خرج سامي الجميل عن صمته واعلن اﻻستقالة، وهو يتحضر للنزول الى الشارع، في وقت يتحين عون الفرصة ويعتقد أن اللحظة المناسبة قد إقتربت لانتخابه رئيسا. ولكن وإلى حين حسم كل من اﻻمرين ستزيد حراجة موقف "تكتل اﻻصلاح والتغيير" امام ناخبيه في المتن، خصوصاً حيال كيفية التصرف مع الخطة التي وضعها الجميل، وهي المواجهة الميدانية لرفض قرار طمر النفايات.
عملياً أخذ دور الناشطين العونيين التاريخي في هذا المجال، و بنفس الوقت ينبغي على عون بذل جهود لإقناع القواعد الشعبية بأن لقاء معراب يهدف إلى الدفاع عن حقوق المسيحيين في شتى المجالات. سقط مفعول الشعار داخل حكومة يشارك فيها عون من دون "القوات اللبنانية"، فيما يتحضّر الجميل للمنازلة اﻻعتراضية منفرداً ومن دون حسابات آنية.
في الخلاصة يرنو سامي الجميل إلى الشارع كممر عبور إجباري للنفاذ نحو مرحلة صعود سياسي واعدة لاحلام فتى الكتائب، ولو على المدى البعيد تزامناً مع النقاش الدائر حول قانون اﻻنتخابات النيابية المقبل. أما عون فلا يشيح بنظره عن قصر بعبدا، ولو الى قضية مطلبية مناطقية، لقناعته بأن وصوله إلى الرئاسة هو السبيل الاوحد لتحصيل الحقوق المسيحية المهدورة داخل النظام السياسي اللبناني. فلكل منهما حساباته ووحده الوقت قادر على الحكم بصوابية خيار كل واحد منهما.