توصل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة مع "حزب الله" الى حل يقضي بأن يتم التفريق في التعامل بين المؤسسات العسكرية والمؤسسات الانسانية والخيرية حيث تتعامل المصارف اللبنانية بشكل عادي وطبيعي مع مؤسسات الحزب الانسانية. هذا الحل تلقفه حزب الله بطريقة ايجابية وقد عبر عن ارتياحه من قيام سلامة بتبليغ واشنطن بان مصرف لبنان لن يسمح باغلاق حسابات لمؤسسات، وان كانت تابعة لحزب الله تعالج المرضى وتهتم باليتامى وبعائلات الشهداء. هذا التنسيق والاتفاق بالتراضي بين مصرف لبنان وحزب الله في ما يتعلق بمؤسساته الانسانية راعته القوانين الاميركية ولم تبد اي اعتراض على ذلك، رغم ان الكونغرس الاميركي صوت على تصنيف حزب الله حزباً ارهابياً دون ان يفرق بين الجناح السياسي والعسكري للحزب، وبالتالي اصبحت كل مؤسسات حزب الله معرضة للاغلاق، وبالاخص المؤسسات الانسانية حيث لم تستثن هذه المؤسسات من العقوبات الاميركية.
ذلك، وقبل فترة من الزمن، قامت مصارف لبنانية باغلاق حسابات مؤسسة مستشفى الرسول الاعظم وغيرها، ما اثار حفيظة المقاومة واستفزها، فاعتبرت انها تحت وطأة انتداب اميركي نقدي. بيد ان المستشفيات ومؤسسة اليتيم ومؤسسة المعاقين ومؤسسة الشهداء وعائلاتهم اضحى مطلوب اغلاق حساباتها في المصارف، وعندها لا يعود بمقدور وزارة الصحة اللبنانية دفع وتأمين كلفة الاستشفاء للمرضى، ولا الجيش اللبناني ولا الضمان الصحي يعودان قادرين على تسديد فواتير المرضى في المستشفيات التابعة لحزب الله. وهذا يؤدي بالتالي الى حرمان فئة كبيرة من المرضى من الخدمات التي تقدمها وزارة الصحة وطبابة الجيش والضمان الصحي.
هذه العقوبات الاميركية ادت الى توقف مستشفى الرسول الاعظم عن دفع الشيكات لشراء المعدات الطبية والادوية وكل المستلزمات لشفاء المرضى، لان لا حساب له في المصارف لدفع رواتب 3000 عامل في هذا المستشفى، وكذلك الحال في مؤسسة اليتيم والمعاقين ومؤسسة عائلات الشهداء.
وعليه وحرصا منه على عدم ترك الامور تتأزم في البلد، تدخل حاكم مصرف لبنان واضعا آلية تلزم المصارف بالامتناع عن اخذ اي تدابير حول اي حساب قبل رفعها الى هيئة التحقيق الخاصة التي تدرس القرار في غضون 30 يوما، لتعطي لاحقا جوابا للمصرف، سواء كان القرار يقضي باغلاق او فتح حساب.
وبذلك توصل الحاكم رياض سلامة الى ايجاد حل للمؤسسات الانسانية التابعة لحزب الله ويقضي بعدم التعرض لها وعدم اغلاق اي حسابات تابعة لها، وتأكيدا على ذلك اعاد "بنك بيبلوس" فتح حساب مستشفى الرسول الاعظم ليصبح قرار سلامة واضحا وحاسما بمنع اي مصرف من اغلاق اي حساب لمؤسسة انسانية والتفريق بين المؤسسات العسكرية والانسانية التابعة للمقاومة.
والحال ان الاجتماع الذي عقد برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام بحضور حاكم مصرف لبنان ووزير المالية حسن خليل ورئيس جمعية المصارف جوزيف طربيه والمستشار الاقتصادي في القصر الجمهوري شادي كرم، شرح خلاله رياض سلامة الالية التي رآها مناسبة لحزب الله وللمصارف، والتي ايدها الحاضرون، وهنا نقل الوزير حسن خليل اجواء الاجتماع الى حزب الله، في حين ابلغ جوزف طربيه المصارف بالحل، اما سلامة فقد اعطى توجيهاته لهيئة التحقيق الخاصة بكيفية تنفيذ الالية التي طرحها في هذا الاجتماع.
اما بالنسبة للجناح العسكري لـ "حزب الله"، فالمقاومة لا تفتح حسابات بالمصارف ولا تمول عملياتها عبر المصارف بل تعتمد الدفع نقدا لعملياتها، في حين ينص القرار الاميركي على اغلاق كل حساب مصرفي لاي شخص ينتسب لحزب الله فيما هناك اكثر من 100 رئيس بلدية تم انتخابهم وهم اعضاء في حزب الله فكيف سيتم تحريك حسابات البلديات او حسابات رؤساء البلديات؟
مع العلم ان الودائع تبلغ 183 مليار دولار، فاذا قامت المصارف بمنع جمهور "حزب الله" من فتح حساباته وتحويلاته الاتية من افريقيا ودول الخليج في لبنان، فهذا الامر سينعكس سلبا على لبنان برمته وليس فقط على الشيعة الموالين للمقاومة.
وبمعنى آخر، من السذاجة ان يعتقد البعض بان القرارات الاميركية المتخذة بحق حزب الله تؤذي المقاومة وجمهورها فقط، ومن السذاجة ان يعتقد البعض ايضاً ان هذه العقوبات بحق حزب الله ستؤدي فقط الى سقوطه وحده، انما الواقع مختلف تماما واخطر مما يظنه البعض. بيد ان هذه العقوبات لن تطال حزب الله فحسب بل كل اللبنانيين من مختلف الطوائف والمذاهب لان الوضع المالي والنقدي ليس طائفيا بكل بساطة. فالمواطن اللبناني الشيعي يشتري من اللبناني الماروني واللبناني الدرزي يبيع للمواطن السني والى ما هنالك، كما ان الشركات اللبنانية في اغلب الاحيان يتقاسمها رجال اعمال مسيحيون وسنة وشيعة ودروز ولذلك هي متشابكة ومتشاركة بين مساهمين من طوائف متعددة. من هنا، لا يمكن عزل الطائفة الشيعية عن باقي الطوائف في العمليات التجارية وفي الشيكات وفي دفع وقبض الاموال.
ان حكمة رياض سلامة اخرجت لبنان من ازمة حادة وخطيرة، مع العلم انها كانت ازمة وطنية كبرى بامتياز حيث ما زالت واشنطن لا تعي قوة حزب الله وما هي تداعيات قراراتها اذا طبقت قوانينها على المقاومة وجمهورها ومؤسساتها، وخاصة الانسانية منها.
(
الديار)