ولدت طاولة الحوار في لحظة سياسية استثنائية في انتظار موعد انتهاء ولاية الرئيس السابق للجمهورية اللبنانية إميل لحود. ومرت سنة تلو أخرى، استمر فيها الحوار مهدداً لولا اتفاق الدوحة الذي كرّس توازنات ما بعد أيار 2008 من ثلث معطل وثلاثية "جيش وشعب ومقاومة" وانتخاب ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية. حيث نجح الأخير بأن يصدر عن طاولة الحوار اعلان بعبدا الذي سجل كوثيقة رسمية في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.
أعيد إحياء طاولة الحوار الوطني بعد بدء أزمة الشغور الرئاسي وتكدست الملفات عليها. وأصبح جدول الأعمال الأساسي لها (المحكمة الدولية، السلاح الفلسطيني، العلاقات مع سوريا..) منسيًا لصالح جدول أعمال الضرورة بما يتضمنه من قضايا سياسية تدخل أصًلا في صلاحيات رئيس الجمهورية (كالموقف من تصنيف "حزب الله" ارهابيًا والمعاهدات الدولية..) أو في صلاحيات الحكومة ومجلس النواب (كالرئاسة، قانون الإنتخاب، آلية عمل الحكومة ، النفط، التعيينات والنفايات).
وعلى رغم السجال الدائر حول مدى دستورية طاولة الحوار وما ينتج عنها حلت هذه الطاولة محل معظم المؤسسات الدستورية تدعم شرعيتها وجهة نظر قانونية تعتبرها دستورية، بمعنى توافقها مع مفهوم العيش المشترك (آخر بند من ديباجة الدستور). وتجعل حتى التسليم جدًلا بعدم دستوريتها لا ينزع عنها أنها إقرار بعجز الحكومة وأنها أصبحت مؤسسة قائمة بذاتها ليس فقط لجهة طبيعة وظيفتها ومضمون جدول أعمالها بل حتى لجهة استخدام تفاصيل لوجستية وتقنية تنظم عملها وتكّرس ميثاقيتها وتجعل النظام السياسي اللبناني لا يمثل الا عليها.
كما بات معلومًا لدى الجميع فقد أخفقت طاولة الحوار الأخيرة في التفاهم على قانون انتخاب وحتى تسجيل أي اختراق على هذا المستوى أو على مستوى رئاسة الجمهورية أو حتى إعادة الحياة الى أروقة مجلس النواب.
قانون الإنتخاب؟
تمسك كل فريق في مقاربته لأولوية انتخاب الرئيس أو إجراء الإنتخابات النيابية أولا. واستمر الأخذ والرد وبنتيجة صفر في إقرار أحد مشروعي قانون الإنتخاب الجديد، والمشروع الأول هو مشروع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي القائم على النسبية على أساس لبنان 13 دائرة انتخابية. أما المشروع الثاني فهو مشروع القانون المختلط الذي قدمه رئيس المجلس النيابي نبيه بري والقائم على أساس انتخاب 64 نائبا وفق النظام الأكثري على أساس تقسيمات الأقضية الحالية أي قانون الستين، وانتخاب 64 نائبًا على أساس تقسيمات المحافظات الكبرى.
وعلى رغم فشل التوافق، اتفق الجميع على ألا تساهل مع أي محاولة لتمديد ولاية المجلس النيابي مرة جديدة وعلى أن لا انتخابات وفق الستين لأن ذلك من شأنه أن يطلق حراكا شعبيا وثورة شارع كبيرة لا يمكن تقدير تداعياتها.
ملف النفط
فجأة أصبح المناخ السياسي المحيط بملف النفط أفضل من السابق واتفق الجميع على ضرورة إقرار مرسومي النفط في مجلس الوزراء سريعًا واحالة قانون الضرائب من الحكومة الى مجلس النواب.
من الواضح ان الجميع تبلغ من الخارج وجوب وضع الملف النفطي على الطريق التي تدخل لبنان الى نادي الدول المنتجة للنفط والغاز.
فالولايات المتحدة الأميركية، ومثلها أوروبا، تريدان إيجاد جو ملائم لإستثمار الكميات الضخمة المكتشفة من الغاز في لبنان وفلسطين المحتلة. فبينما تسعى أوروبا التي سيرتفع استهلاكها السنوي من الغاز عام 2020 الى 22 ألف مليار قدم مكعب، لتأمين مصدر جديد للحصول على الطاقة لتتحرر من الحاجة الى الغاز الروسي، وذلك عملا بقرار صدر عن الإتحاد الأوروبي. فإن الولايات المتحدة الأميركية تتطلع الى حفظ أمن ومصالح اسرائيل النفطية لتحافظ على استثمارات شركاتها ولاسيما "موبل اينرجي" في الحقول الإسرائيلية والتي بلغت 18 مليار دولار.
اذا من المفترض أن يدعو رئيس الحكومة تمام سلام اللجنة الوزارية المعنية الى الاجتماع قريبًا حتى يبت في مسألة المرسومين تمهيدًا لإقرارهما في مجلس الوزراء. وتبقى الإشارة هنا الى أن هذا الإنجاز في الملف النفطي لن يكون كافيًا لإطلاق المناقصات وبدء التلزيم ما لم يتم تجاوز العقبات الكثيرة لحسن إدارة هذا الملف.
"السلة المتكاملة"
تأجل موعد الجلسة المقبلة قرابة الشهر ونصف الشهر.في العلن يبرر التأجيل بإرتباطات المتحاورين. اما في الخفاء فثمة رهان على أن يحمل الزمن حتى الثاني من آب ما يكسر المراوحة في المكان وما يوفر ضمانات محلية واقليمية لتسوية بالجملة درج على تسميتها "بالسلة".
أما السلة المتكاملة فتشمل توافقًا سياسيًا على صيغة القانون الانتخابي، انتخاب رئيس للجمهورية، التئام مجلس النواب في جلسة تتضمن بندًا واحدًا هو إقرار قانون الإنتخابات المتوافق عليه وإجراء الإنتخابات النيابية وفق القانون الجديد وانتخاب رئيس المجلس النيابي ونائبه وتعيين رئيس الحكومة من ضمن تفاهم يشمل الحصص والتوازنات، أي الصيغة الضامنة (الثلث المعطل) والبيان الوزاري (ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة) وصولا الى استكمال تنفيذ اتفاق الطائف، أي اعادة الاعتبار لمجلس الوزراء والمداورة في وظائف الفئة الأولى واعتماد روحية اتفاق الطائف في توزيع الحقائب السيادية واقرار اللامركزية الإدارية وانشاء مجلس للشيوخ وتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية وإقرار خطة تنموية شاملة.
أخيرًا شدد الرئيس نبيه بري على ضرورة أن يتحمل الجميع مسؤولياتهم في الحوار المقبل للخروج بنتائج ملموسة وإيجابية لحل الأزمة.
إذا من المسؤول عن الخروج من الأزمة؟؟ الجميع..
من سيقلب طاولة الحوار ؟؟لا أحد..
لأن وحدها هذه السلة قد تحمل لكل يعقوب جلس على طاولة الحوار غايته.
(خاص "
لبنان 24")