بانتظار حلول موعد انعقاد جلسة مجلس النوّاب المخصّصة لانتخاب الرئيس اللبنانيّ العتيد في الثالث عشر من شهر تمّوز المقبل، سيكون على أبناء هذا الوطن وقياداته الرسميّة والحزبيّة التركيز على مواكبة التطوّرات الميدانيّة المتسارعة التي تشهدها ساحات المعارك في دول الإقليم، وتحديدًا في سوريا والعراق، أكثر من أيّ وقت مضى، بما يضمن إجراء قراءاتٍ يوميّةٍ متأنّيةٍ لمسارات تلك التطوّرات، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أنّ ثمّة ثوابتَ لن تتغيّر على خارطة الأحداث مهما تغيّرت خرائط التجاذبات والتحالفات السياسيّة والعسكريّة في المنطقة على المدى المنظور، وأهمّها أنّ روسيا التي حدّدت موقعها اعتبارًا من الثلاثين من أيلول العام الماضي كلاعب دوليّ أساسيّ في رسم التوازنات الشرق أوسطيّة المقبلة، ستواصل لعب هذا الدور على المدى البعيد.. وإلى ما شاء الله.
وإذا كان البعض يرى في فاعليّة الانخراط الروسيّ الجديد في شؤون المنطقة وشجونها صمّام أمانٍ بينما يرى البعض الآخر أنّه صاعق تفجير، فإنّ التباين بين الرؤيتين يخضع في الأساس لاختلاف الزوايا التي ينطلق منها المحلّلون لدى تحديد إبرة بوصلة قراءاتهم، علمًا أنّ هذا الاختلاف، وبغضّ النظر عمّا يحمله من بشائر أو نذائر لهذا القارىء أو ذاك، فإنّه لن يؤثّر بأيّ شكلٍ من الأشكال على الثوابت الآنفة الذكر، لا عاجلًا ولا آجلًا، وخصوصًا إذا وضعنا في الحسبان أنّ الستاتيكو الاستراتيجيّ غير القابل للتعديل على أساس تلك الثوابت، ووفقًا لمصادرَ روسيّةٍ وسوريّةٍ ولبنانيّةٍ متطابقةٍ على درجة عالية من الاطّلاع، أصبح يقوم حاليًّا على المعطيات التالية:
أوّلًا، حسم جولات القتال على جبهات حلب والرقّة بما يضمن الأجواء المناسبة للبدء بمرحلة إعادة بناء سوريا في ظلّ إدارة الرئيس بشار الأسد دون سواها، وذلك بعد "تطعيمها" بشخصيّات تمثّل المعارضة المعتدلة، بمعنى أنّ المراهنات على إمكانيّة إحداث تغييراتٍ جوهريّةٍ في بنية النظام السوريّ لم تعد أكثر أو أقلّ من بالوناتٍ إعلاميّةٍ فارغةٍ، ستنتفي الحاجة إلى استهلاكها في المستقبل القريب.
ثانيًا، إجبار ما تبقّى من الدواعش ومشتقّاتهم الإرهابيّة والإجراميّة على الانسحاب إلى دولٍ تقع خارج نطاق مناطق النفوذ الروسيّ المباشر، من بينها العراق، تمهيدًا لاستهدافهم هناك عن طريق شنّ غاراتٍ أميركيّةٍ مكثّفةٍ وفعّالةٍ على مواقعهم الجديدة، تمامًا مثلما فعلت روسيا في سوريا، بما يضمن للأميركيّين المحافظة على ماء وجههم عن طريق التسويق والترويج لنتيجةٍ تقوم على تحقيق التعادل بين واشنطن وموسكو في "مباراة" الحرب على الإرهاب.
ثالثًا، تفعيل العمل على الاستفادة من مصادر الطاقة النفطيّة والغازيّة في كلٍّ سوريا ولبنان وإسرائيل وقبرص، وربّما مصر أيضًا، بإشرافٍ روسيٍّ مباشرٍ وكاملٍ، ومن دون أيّة منافسةٍ أجنبيّةٍ أخرى، وذلك بالتزامن مع نضوج ثمرة الغزل الروسيّ – التركيّ من جهة، والتركيّ – الإسرائيليّ من جهة أخرى، تمهيدًا للشروع في بناء خطّ أنابيب "السيل التركيّ" اعتبارًا من عام 2017 المقبل، ليحلّ مكان خطّ "السيل الأوكرانيّ" لدى انتهاء فترة الاتّفاقيّة الموقّعة بشأنه بين موسكو وكييف عام 2019، بما يضمن استمرار تزويد الأسواق الأوروبيّة بالغاز الروسيّ.
رابعًا، تحريك ملفّ العمليّة السلميّة في الشرق الأوسط بإشرافٍ روسيٍّ – أميركيٍّ مباشر، وعلى أساس مرجعيّة مدريد، وقرارات الأمم المتّحدة ذات الصلة بالصراع العربيّ – الإسرائيليّ، ومبادرة السلام العربيّة التي طُرحت في بيروت عام 2002، مع المحافظة على "خصوصيّات" موقع سوريا باعتبارها الرقم الأهمّ في أيّة نتائج ستتمخّض عن المعادلة المرتقبة في المنطقة، وضمان عدم "إلزام" إيران أو "إحراجها" باتّخاذ موقفٍ علنيٍّ مباشرٍ بخصوص آليّات التسوية مقابل تعهّدها بعدم وضع العصيّ في دواليبها.
واستنادًا إلى ما تقدّم، وخصوصًا من جهة ما يتعلّق بالمُعطى الرابع، تلفت المصادر المطّلعة إلى أنّ الأيّام القليلة المقبلة ستشهد على ارتفاع وتيرة المعارك الميدانيّة التي يخوضها الإيرانيّون وحلفاؤهم على جبهتين مختلفتين، إحداهما في محافظة الرقّة السوريّة والأخرى في محافظة الموصل العراقيّة، وذلك من أجل ضمان شقّ طريقٍ برّيٍّ يربط ما بين الأراضي الإيرانيّة وما بين الأراضي اللبنانيّة، نظرًا للأهّميّة الاستراتيجيّة البالغة التي تنطوي على تأمين مثل هذا الطريق، وخصوصًا من جهة تحديد حجم الدور الإيرانيّ ومدى فاعليّته وتأثيره في المعطيات الثلاث المتبقيّة.
أمّا بالنسبة إلى الوضع اللبنانيّ بشكلٍ عامّ، فإنّ المصادر المطّلعة تؤكّد على أنّ مختلف القيادات السياسيّة والحزبيّة والروحيّة تواجه في الوقت الراهن أصعب امتحان من نوعه في تاريخ الجمهوريّة منذ استقلالها عام 1943 ولغاية اليوم.
وتوضح المصادر في هذا السياق أنّ هذه القيادات، إذا لم تتمكّن من الاستفادة من الظروف الدوليّة والإقليميّة المتوافرة في هذه الأيّام، سواءٌ من جهة التوافق الواضح على تحييد لبنان عن أزمات المنطقة، أم من جهة الرغبة الحقيقيّة في إعطائه دورًا يليق بإرثه التاريخيّ والحضاريّ في المعادلة الشرق أوسطيّة المرسومة، أم من جهة ما وصفته المصادر بـ "تراجع التأثير السعوديّ" في السياسة الداخليّة اللبنانيّة على خلفيّة انهماك المملكة بالتعاطي مع أزمتها الاقتصاديّة وتداعيات حربها في اليمن وتدخّلها في البحرين، الأمر الذي تبلور مؤخّرًا من خلال انتقال الرياض من وضعيّة التصميم على "فرض" اسم مرشّحها لسدّة الرئاسة في قصر بعبدا إلى وضعيّة الاكتفاء بـ"فرض الفيتو" على اسم المترشّح المنافس... إلى ما هنالك من ظروفٍ ومناخاتٍ مستجدّةٍ أخرى، فإنّ ثمّة حديثًا جدّيًّا يدور خلف الكواليس عن "طبخة وصاية سوريّة جديدة على لبنان" وُضِعت منذ فترة قصيرة فوق نار هادئة.. وما على القيادات اللبنانيّة إلّا تحمّل الحدّ الأدنى من المسؤوليّات الوطنيّة، وعلى رأسها إتمام قطوع الاستحقاق الرئاسيّ في تمّوز المقبل، لكي يصبح في الإمكان إلغاء الطبخة وإطفاء النار.
إنّه امتحان وطنيّ بامتياز، ما أسهله إذا اتّفق اللبنانيّون على مقوّمات استقلالهم وسيادتهم وحرّيّتهم وكرامتهم، وما أصعبه إذا اختلفوا على تلك المقوّمات.. وممّا لا شكّ فيه أنّه في نهاية الامتحان، سيُكرم الوطن أو يُهان.