إذا سلّمنا جدلًا بأنّ المشرفين على وضع "اتّفاق الطائف" كانوا جادّين فعلًا في البحث عن صيغةٍ نهائيّةٍ لبناء لبنان الجديد على أساس شراكةٍ تعدّديّةٍ عادلةٍ لا لُبْس فيها بين مختلف مكوّنات نسيجه الوطنيّ، فإنّ ما لا يقبل الجدل هو أنّ السلوكيّات التي تمّ اعتمادها لدى تطبيق بنود هذا الاتّفاق، أوحت منذ البداية بوجود نوايا مبيّتةٍ تستهدف "تهميش" دور المكوّن المسيحيّ في المعادلة التوافقيّة اللبنانيّة مقابل "تغليب" دور المكوّن الإسلاميّ فيها، الأمر الذي كان قد تجلّى ديموغرافيًّا عام 1994، عندما اشتملت اللوائح المرفقة بأوّل قانون تجنيس يصدر في عهد الرئيسيْن الراحليْن الياس الهراوي ورفيق الحريري، وبموافقة وزير الداخليّة وقتذاك بشارة مرهج، على أسماء مئة ألف سنّيّ، وثلاثين ألف شيعيّ، وأربعة آلاف مارونيّ.. فبدا القانون وكأنّه فُصِّل لكي يصُحّ فيه المثل القائل: "يكاد المريب أن يقول خذوني"!
هذا الكلام، وعلى رغم أنّه يحمل في طيّاته ما يُذكِّر بجروحٍ وطنيّةٍ بالغةٍ لم ينجح الزمان في إكمال التئامها بعد، فإنّ الإشارة إليه في هذه الأيّام الصعبة، لا بدّ وأن تكتسب أهميّة قصوى إذا ما أردنا تسمية الأشياء بأسمائها الصحيحة ووضع الأصابع فوق الجروح، وخصوصًا إثر تجدّد الهواجس الوجوديّة التي عادت لتنتاب المسيحيّين اللبنانيّين في سياق الهزّات الارتداديّة الناجمة عن زلزال الهجمات الإرهابيّة الأخيرة على أبناء بلدة القاع، من دون أن تنطوي هذه الإشارة على أيّة رغبة في التقليل من شأن أو أهميّة أو احترام الفئات التي شاركت في التوقيع على "اتّفاق الطائف"، حتّى وإنْ أظهرت بعض تجلّيات السنوات الطويلة الماضية أنّ تلك الفئات، أو معظمها، بدت في غمرة تداعيات الإعداد لمسودّة الاتّفاق وكأنّها كانت "تستجير من الرمضاء بالنار"!
ولعلّ مردّ ذلك هو أنّنا إذا كنّا قد تعلّمنا على مرّ التاريخ أنّ "أسوأ أنواع الظلم هو الادّعاء بأنّ هناك عدلًا"، وفقًا لما جاء على لسان أبو الفلاسفة أفلاطون قبل أكثر من ثلاثةِ آلافٍ وخمسمئةِ عامٍ من الزمان، فإنّ أسوأ أنواع العدل في وقتنا الراهن، على المستوى اللبنانيّ، هو الادّعاء بأنّ "اتّفاق الطائف" كان مُنصِفًا بحقّ كافّة أبناء هذا الوطن، خصوصًا وأنّ تطوّرات الأحداث التي شهدتها الساحة الداخليّة منذ عام 1989 ولغاية اليوم، أظهرت بوضوحٍ أنّ هذا الاتّفاق، وإنْ كان قد نجح في إطفاء لهيب الحرب اللبنانيّة الذي كان مشتعلًا فوق سطح الأحداث (وهذا أضعف الإيمان)، إلّا أنّه شكّل في الوقت نفسه مظلّة لاستمرار اتّقاد نار الحرائق ولوازم اشتعالها تحت الرماد، بمعنى أنّه لم يكن سوى "خشبةُ نجاةٍ" رُميت في بحر لبنان الهائج بتيّاراتٍ طائفيّةٍ ومذهبيّةٍ شرسة، فتوافق عليها المشاركون في "الصيغة التوافقيّة" الحاليّة حينًا، واختلفوا بشأنها حينًا آخر، وراحوا يفصّلون قوالب الأداء السياسيّ في البلد على مقاساتهم، من دون أن يبذلوا أيّ جهد حقيقيّ على صعيد تحويل الخشبة إلى مركبٍ يُنقِذ اللبنانيّين ويُبحِر بهم إلى برّ الأمان.
علاوة على ذلك، لا بدّ من الإشارة أيضًا إلى أنّ ما يمكن تسميته بالعروض الكرنفاليّة الكيديّة التي طغت على معظم مشهديّات السلوك الوطنيّ خلال مرحلة ما بعد الطائف، لم يكن ليُقدَّر لها أن تصل إلى قمّة الإبهار، تعجّبًا وليس إعجابًا، لولا الظروف المعروفة التي حالت دون مشاركة رموز القوّتين المسيحيّتين الأساسيّتين والفاعلتين على الساحة اللبنانيّة في دورة الحياة السياسيّة اليوميّة وقتذاك، إثر إبعاد الجنرال ميشال عون إلى منفاه الباريسيّ وإدخال الدكتور سمير جعجع إلى زنزانته في اليرزة، أو بمعنى أدقّ إثر تغييبهما ولو إلى حين، الأمر الذي خلّف وراءه بصماتٍ سلبيّةً لها أوّل وليس لها آخر، من بينها رضوخ الطبقة الحاكمة التي أفرزها الاتّفاق لمبدأ غضّ النظر عن نزعة تكريس الوصاية السوريّة على لبنان، وما نجم عن ذلك من تداعياتٍ في أعقاب إطلاق يد دمشق في مجال التحكّم بنتائج دورات انتخاب ثلاثة رؤساءَ للجمهوريّة اللبنانيّة على التوالي، أوّلهم رينيه معوّض الذي قضى شهيدًا قبل تسلّمه مهامّ منصبه، وثانيهم الياس الهراوي الذي سُجّلت سابقة التمديد الرئاسيّ (للمرّة الأولى) خلال عهده، وثالثهم اميل لحّود الذي شهدت ولايته على ازدياد نهم عنجر وشراهتها فوق ما تبقّى من مائدة السيادة الوطنيّة، والأهمّ من ذلك هو أنّ الصلاحيّات التي جرّدها "اتّفاق الطائف" من الرئيس المارونيّ في قصر بعبدا (ولنقُلها من دون مواربةٍ وبعيدًا عن اللفّ والدوران) بقيت مستعصية على الاستخدام من قِبَل الرئيس السنّيّ في السراي الحكوميّ.. وهذا كلامٌ، وإنْ كان لا ينطوي على أيّة رغبةٍ في تعميمه على الجميع من دون أيّ استثناءات، إلّا أنّه يبقى في مختلف الحالات والتجلّيات الوجدانيّة البيت في القصيد.
على هذا الأساس، يمكن القول بتجرّدٍ إنّ تجلّيات تطبيق "اتّفاق الطائف" ما زالت تحمل للمسيحيّين من النذائر ما يكفي للتوجّس والارتياب من أن يكون التهميش مقدّمة للإقصاء والإلغاء، لا قدّر الله، وخصوصًا إذا وضعنا في الحسبان أنّ مواقف بعض "الشركاء التوافقيّين" حيال سبل معالجة أزمة الشغور الرئاسيّ، على سبيل المثال، لم يَعُد التعبير عنها مقتصِرًا على العروض الكرنفاليّة الآنفة الذكر وحسب، بل أصبح مقترنًا بنزعاتٍ أسخريوطيّةِ الدلالات والأبعاد، وأغلب الظنّ أنّ رسائل الدواعش المبطّنة الأخيرة في بلدة القاع كانت من بين علاماتها الفارقة والخطيرة.
من هنا، وقبل أن يستبدّ ألزهايمر التوافقيّ بعقولنا في الصميم، لا بدّ من التأكيد في هذه العجالة لمن يهمّه الأمر على عدّة ثوابتَ وطنيّة بامتياز، وعلى رأسها أنّ تمايز لبنان بحضور الموروث الكنسيّ المسيحيّ في رسم معالم هويّته الوطنيّة وفتح الآفاق أمام رسالته الثقافيّة والحضاريّة والإنسانيّة هو التاج الذي تزينّت به رؤوس جميع اللبنانيّين، وأنّ شعار الوطن الذي "لا يكون عالةً على مسيحيّي الغرب ولا شوكةً في خاصرة مسلمي الشرق"، رفعه المسيحيّون لكي يتنعم به جميع أبناء الوطن فوق مساحة العشرةِ آلافٍ وأربعمئةٍ واثنين وخمسين كيلومترًا مربّعًا، وتحت مظلّة "القوميّة الموحِّدة والهويّة الموحَّدة"، وأنّ وحدة الصفّ المسيحيّ، لطالما شكّلت على مرّ الزمان صمّام الأمان لوحدة وسيادة واستقلال كلّ لبنان.
وإذا كانت النصيحة بجملٍ في قديم الزمان، فإنّ النصيحة يمكن أن تكون بمقالٍ في هذه الأيّام.. وللحديث عن رسوخ الوجود المسيحيّ في لبنان تتمّة!