تشي التطوّرات المستجدّة على مسار العلاقات الروسيّة – التركيّة بأنّ اكتمال عقد الودّ الاستراتيجيّ بين الطرفين حيال سبل تسوية الأزمة السوريّة أوشك على أن يصبح أمرًا واقعًا بالفعل، وذلك على خلفيّة ظهور عدّة مؤشّراتٍ إيجابيّةٍ في هذا السياق، من بينها فحوى التصريحات التي أدلى بها وزيرا خارجيّة البلدين، سيرغي لافروف ومولود جاويش أوغلو، في أعقاب لقائهما الأخير نهار الجمعة الفائت في مدينة سوتشي الروسيّة، والتي حملت من الدلالات ما يكفي للتأكيد على أنّ موسكو وأنقرة، عقدتا العزم على المضيّ قدمًا في تنسيق جهودهما بشكلٍ كاملٍ، ليس من خلال تنشيط فريق العمل الروسيّ – التركيّ المشترك الخاصّ بمحاربة الإرهاب وحسب، وإنّما عن طريق تفعيل اتّصالاتهما الثنائيّة على كافّة الأصعدة السياسيّة والعسكريّة والأمنيّة أيضًا، الأمر الذي يعني في إطار ما يعنيه أنّ الأيّام القليلة المقبلة ستشهد على ولادةِ استراتيجيّةٍ جديدةٍ للمواجهات العسكريّة مع مقاتلي التنظيمات الإرهابيّة فوق الأراضي السوريّة، بما يضمن تأمين الظروف الميدانيّة المناسبة لوضع قطار الأزمة على سكّة الحلّ المنشود.
لا شكّ في أنّ التوافق التامّ بين موسكو وأنقرة حول مسألة تصنيف الجماعات الإرهابيّة في سوريا كان بدوره من بين المؤشّرات الإيجابيّة الأخرى التي ظهرت أيضًا على إيقاع لقاء الوزيرين لافروف وجاويش أوغلو في سوتشي، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الوزير الروسيّ، ولدى إعلانه عن عدم وجود أيّ اختلافاتٍ في الرأي مع الشركاء الأتراك تجاه هذه المسألة، سارع إلى التذكير بأنّ بلاده سبق لها وأن اقترحت إدراج تنظيميْ "جيش الإسلام" و"أحرار الشام" على القائمة الأمميّة للمنظّمات الإرهابيّة، نظرًا لتوفّر شهاداتٍ حول خرق هذين التنظيمين لكافّة أعراف الحرب، قبل أن يؤكّد على أنّ أنقرة تشاطر موسكو موقفها حول ضرورة انسحاب قوّات "المعارضة الوطنيّة السوريّة البنّاءة" من المناطق الخاضعة لسيطرة الإرهابيّين، تفاديًا لعدم إلحاق الضرر بها جرّاء الضربات الجوّيّة، "وإلّا سنعتبر هؤلاء المعارضين كمتواطئين مع جبهة النصرة وداعش"، وقبل أنّ يؤكّد الوزير التركيّ من جهته على أنّ بلاده تحارب تنظيم "داعش" بصورةٍ مباشرةٍ، نافيًا أن تكون لهذا التنظيم الإرهابيّ أيّة صلة بالإسلام.
كلامٌ، سرعان ما تلقّفته صحيفة الـ "فايننشال تايمز" البريطانيّة العريقة لتبني على أساساته قراءةً مفادها أنّ تركيا تعتزم تغيير استراتيجيّتها في سوريا بعد اعتذارها لروسيا عن حادثة إسقاط قاذفة الـ "سوخوي" الروسيّة فوق الأراضي السوريّة في الرابع والعشرين من تشرين الثاني العام الماضي، وذلك عن طريق "التخلّي عن تقديم الدعم المباشر للجماعات المسلّحة المعارضة لحكومة الرئيس السوريّ بشّار الأسد".
ووفقًا للصحيفة، فإنّ أهداف تركيا في سوريا ستتركّز حاليًّا على قمع الحركة الكورديّة ومكافحة تنظيم "داعش" في آنٍ معًا، وخصوصًا بعدما استشعر الرئيس رجب طيّب أردوغان أنّ بلاده، وبينما كانت تركّز على محاربة الأكراد، فإنّ انتحاريّي "داعش" كانوا يسرحون فيها ويمرحون، الأمر الذي تجلّى في الهجوم الإرهابيّ الأخير على مطار اسطنبول، وشكّل بالتالي حافزًا لتوثيق العلاقات مع روسيا.
وسط هذه الأجواء، وبانتظار موعد اللقاء المقرّر بين الرئيس فلاديمير بوتين ونظيره التركيّ على هامش قمّة مجموعة العشرين التي ستعقد في الصين يوميْ الرابع والخامس من أيلول المقبل، فإنّ الأنظار ستتركّز اعتبارًا من الآن على رصد ملامح بداية مرحلة الحسم العسكريّ على جبهات القتال داخل الأراضي السوريّة، تمهيدًا لإطلاق العمليّة السياسيّة مجدّدًا، وبزخم أقوى هذه المرّة، الأمر الذي أصبح شبه مؤكّدٍ في ضوء ما رشح عن المباحثات التي أجراها رئيس "تيّار الغد" السوريّ المعارض أحمد الجربا مؤخّرًا في موسكو مع كلٍّ من الوزير لافروف والمبعوث الشخصيّ للرئيس بوتين إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف، وخصوصًا من جهة تأكيد الجربا على فاعليّة الدور الروسيّ في التوصّل إلى التسوية المطلوبة .
وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ وزير الخارجيّة التركيّ كان قد أعلن نهار السبت الفائت أنّ الرئيس أردوغان أعرب عن استعداده لزيارة موسكو للقاء الرئيس بوتين في نهاية الشهر الحاليّ أو مطلع الشهر المقبل، سعيًا إلى استباق موعد اللقاء المقرّر بينهما في أيلول، الأمر الذي يوحي بحجم الاهتمام الذي توليه الإدارة التركيّة لمسألة إعادة المياه إلى مجاريها مع الإدارة الروسيّة، والذي لا بدّ وأن تظهر نتائجه على الساحة السوريّة قريبًا، ومن دون أدنى شكّ.
(
جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)