جلس الشاب السوري الملتحي في أحد مقاهي عرسال مستمعاً إلى نقاش يدور بين ثلة من رجال البلدة عن أمن عرسال وناسها. لحظات ووجّه له أحد أبناء عرسال كلامه: "لازم نقسم نحن وإياكم الضيعة، انتو تقعدو بجهة ونحن بجهة تانية، انتو بترتاحو ونحن منرتاح". ابتسم الشاب السوري، المعروف بميوله إلى المسلحين، وتناول سيجارة من علبة العرسالي الذي اقترح عليه القسمة، وقال: "الأكثرية هي التي تحدد". طبعًا كان يقصد السوريين الذين فاق عددهم في عرسال عدد أهلها بثلاثة أضعاف على الأقل.
بغض النظر عن جواب العرسالي لـ "ضيفه" عن "البضاعة الأصلية" وتلك "المستوردة"، فإن الحوار يوحي بما يجول في خاطر بعض أهالي عرسال مع السريان المرتقب لقرار بلديتها منع تجول السوريين بدءاً من العاشرة من ليل اليوم الإثنين.
ثمة مخاوف من ردود فعل رافضة لتنفيذ قرار البلدية. مخاوف مشروعة تصل إلى حد التوجس من وقوع حوادث أمنية. إذ يكفي أهالي عرسال أن المسلحين قتلوا 43 شخصا من بينهم على مدى السنتين الماضيتين.
هذه الأجواء ليست بعيدة عن بلدية عرسال على ما يبدو. إذ أكد رئيس بلديتها باسل الحجيري لـ "السفير" أن عدداً من عناصر شرطة البلدية ومعهم بعض أبناء عرسال سيشرفون، بدءاً من العاشرة من ليل اليوم، على تنفيذ قرار منع التجول. لن يحمل الرجال، المشرفون سلاحاً، وفق الحجيري "مبدئياً لا سلاح"، ولكن "البلدية تأخذ احتياطاتها لكل الاحتمالات".
هل يعني ذلك أن عرسال بدأت مسيرتها نحو "الأمن الذاتي"؟
يجيب رئيس البلدية أن قرار منع التجول بُحث مع النازحين السوريين في البلدة "لحمايتهم وحماية أبناء عرسال، ونحن سنأخذ بالاعتبار الحالات الطارئة كلها، وكذلك من يضطرون للعمل بين العاشرة ليلاً والسابعة صباحاً". طلبت البلدية من عمال وموظفي الليل تقديم طلبات للحصول على رخصة بالتجول بهدف الوصول إلى أشغالهم "لن يكون هناك تعسف ضد أحد"، يؤكد الحجيري. أما رخص التجول للمضطرين والمعروفين فيتم الحصول عليها من البلدية اليوم..
يأتي قرار البلدية بعد سلسلة تطورات أبرزها قيام الجيش اللبناني على مدى اليومين الماضيين بتنفيذ دوريات ووضع حواجز طيارة (كما جرت العادة دائماً) ودهم بعض المنازل ومن ثم الانسحاب إلى المواقع التي تزنر عرسال.
في المقابل، التقى وفد من بلدية عرسال رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري في بيروت. "كان اللقاء جيدا والأجواء صريحة ومريحة" وفق رئيس البلدية باسل الحجيري. ووعد الحريري زائريه بدعم مطلب عرسال بالحصول على تعويضات عن مزروعاتهم ومرافق الحجر والنقل، ما دام ليس هناك طريق نحو الجرود، كما جرى التأكيد أن "الجيش يقوم بدوره".
"قيام الجيش بدوره" كان محور نقاش أهالي عرسال مؤخراً. الأهالي أنفسهم الذين تضحك عيونهم لمرأى الجنود في شوارعهم بآلياتهم وبذلاتهم العسكرية، حيث يندر أن يخلو منزل في عرسال من عسكري في القوى الأمنية. لكن عرسال تريد من الجيش أكثر من "زيارات - طلات"، برغم أن لقاءات فعالياتها مع المسؤولين توحي أنه لا نية لانتشار الجيش وتمركزه داخل البلدة.
يقول أحد أبناء عرسال، وهو من أشد المطالبين بدخول الجيش، إنه "لا يمكن للأهل أن يتركوا أولادهم في الشارع ومن ثم يتفقدونهم من وقت لآخر، والدولة وجيشها هم أهلنا ونريدهم بيننا، وليتمركز الجيش في عرسال ولا حل لنا بغير ذلك".
هذا الكلام يتلاقى مع ما كتبه أحد أبناء عرسال على صفحته على "فيسبوك": "دخول الجيش المؤقت لعرسال كما جرت العادة لا يمكن أن يصنع حلولاً جذرية... فكل أطراف البلدة مراقبة من المجموعات المسلحة وبالتالي أي تحرك للجيش إلى داخل البلدة هو عديم النفع ... المطلوب مراكز دائمة في الداخل مرفقة بعناصر مهمتها مداهمة كل الإرهابيين ونقطة عالسطر".
"الإرهابييون ينسحبون من شوارع وساحة البلدة لمجرد تحرك الجيش من مراكزه"، وفق ما يقول عرسالي آخر. وما ان يعود الجيش إلى مواقعه حتى "يسرح الفار"، وفق العرسالي نفسه، "إذ يعود عناصر الخلايا التي تعتدي وتنفذ الاغتيالات إلى النشاط، فيما تعود سيارات الزجاج الداكن والتي لا تحمل لوحات تسجيل إلى التجول ونحن لا نعرف من بداخلها وماذا تحوي، فماذا نكون قد فعلنا بدوريات ما تلبث أن تعود أدراجها إلى مواقعها".
هذا الواقع يترك مرارة لدى الكثير من أبناء عرسال "لقد انتخبنا مجلساً بلدياً معتدلاً وأعلنت عرسال موقفاً واضحاً ورافضاً لكل الطاقم الذي أوصلها إلى ما كانت عليه، فماذا فعلت لنا الدولة؟" يسأل العرسالي ثم يجيب نفسه "لم تفعل شيئاً ولم تمد لنا اليد لمساعدتنا".
وتصل المرارة مداها لدى أحد فعاليات عرسال الذي كان قد عاد لتوّه من زيارة المختار محمد علولة في المستشفى "صحيح أن الوضع الصحي للمختار مستقر ولكنه في حالة مزعجة جداً". يتواصل علولة مع المحيطين به كتابة، لا يمكنه الكلام، يتنفس ويأكل وينظف رئتيه بالأنابيب وما زال في غرفة العناية الفائقة، وفق زائريه.
(سعدى علّوه - السفير)