يبدو أنّ سيناريو مشابهاً لما اعتمدته إسرائيل قبل 40 عاماً في لبنان، وتحديداً إبان اندلاع الحرب الأهلية في 1975، سيترجم عملياً في جنوب سوريا. إذ تؤكد التطورات الأخيرة، لا سيّما وصول مساعدات إنسانية وطبية إسرائيلية إلى 35 بلدة في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في الجنوب السوري في أيار الفائت، وانتشار جرافات باشرت عمليات الحفر ودبابة على طول 300 متر في القنيطرة في 11 تموز الحالي، أنّ تل أبيب تستعد لإنشاء منطقة آمنة في جنوب سوريا، بحسب ما كشفته نور سماحة، الكاتبة في موقع "المونيتور".
في تقريرها، نقلت سماحة عن كمال اللبواني، الناشط المعارض السوري والمؤيد لإنشاء منطقة آمنة في جنوب سوريا، قوله إنّه لمس تغيراً ملحوظاً في نبرة دائرة صناع القرار في إسرائيل خلال زيارته تل أبيب شباط الفائت، لافتاً إلى أنّه تفاجأ عندما وافق الكنيست على فكرة إنشاء منطقة آمنة- شأنه شأن عدد كبير من المسؤولين الكبار والديبلوماسيين الأجانب وعلى رأسهم الأميركيون- وقدّم مساعدته في هذا الإطار.
أمّا عن تفاصيل المنطقة الآمنة، فكشف اللبواني أنّها ستمتد على مساحة 10 كيلومترات في عمق الأراضي السورية، وذلك على طول 20 كيلومتراً تقريباً من الحدود، بدءاً من جنوب حضر ووصولاً إلى جنوب القنيطرة، شاملة بذلك 17 بلدة يسكنها 15 ألف نسمة.
وفيما أوضح اللبواني أنّ إسرائيل تنوي استخدام "أمنها القومي" كورقة ضغط أمام المجتمع الدولي لجعل المنطقة الآمنة في جنوب سوريا حقيقة، متحدّثاً عن إمكانية الأردن وتركيا حذو حذو تل أبيب في ما بعد، رأى أنّ نظرة السوريين إلى تل أبيب التي تمدّهم بالمساعدات وتستخدم شبكة استخباراتية تتبدّل، فلم تعد عدواً بالنسبة إليهم.
إذ أكّد أبو عمر الجولاني، المتحدث بإسم المتحدث مجلس قيادة الثورة في القنيطرة، أنّه تم التعاون مع الجانب الإسرائيلي بهدف إيصال المساعدات المذكورة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في جنوب سوريا عبر الجولان المحتل؛ علماً أنّ في هذه المناطق 14 فصيلاً، بدءاً من "الجيش السوري الحر" وصولاً إلى "جبهة النصرة" وحتى "لواء شهداء اليرموك" التابع لتنظيم "داعش".
بدوره، اعتبر روبرت روك، رئيس قسم التاريخ في جامعة توسون في الولايات المتحدة الأميركية أنّ إسرائيل تضع ما يحدث في جنوب سوريا ضمن إطار حدودها الاستراتيجية، محذراً من أنّ سيناريو يشبه ذاك الذي انتهجته تل أبيب في جنوب لبنان قد وضع، ومرجحاً أنّ يكون لاستخباراتها اليد الطولى في ذلك.
في هذا السياق، عادت سماحة إلى العام 1975، عندما أججت إسرائيل مشاعر اللبنانيين الطائفية إزاء الفلسطينيين، ونجحت في غضون أشهر في إنشاء "جيش لبنان الجنوبي" بقيادة سعد حداد ومن بعده أنطوان لحد، ممهدة الطريق أمام اجتياح العام 1982 واحتلال الجنوب بعده. كما كشفت سماحة أنّ المعلومات تشير إلى أنّ وحدة العمليات المشتركة الإسرائيلية التي تتعاون مع سكان المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في جنوب سوريا والتي بدأت عملها في أيار الفائت، تتمركز في "ياكال"، وحدات الاتصال الإسرائيلية في لبنان، التي اعتادت تل أبيب استخدامها آنذاك للتواصل مع اللبنانيين والميليشيات.
في ما يتعلّق بالجانب الإسرائيلي، أكّد موتي كاهانا، الأميركي – الإسرائيلي مؤسس منظمة "أماليا" غير الحكومية التي تتخذ الولايات المتحدة مقراً لها، أنّ إسرائيل أعطت الضوء الأخضر للعمل داخل هذه المنطقة، لافتاً إلى أنّ عمليات نقل المعدات قد بدأت فعلاً. إلاّ أنّ خطط المنطقة الآمنة لا تقف عند هذا الحد بالنسبة إلى إسرائيل، إذ أوضح كاهانا أنّ المرحلة الأولى تقضي بإحضار الأدوية والمعدات، فيما تقضي المرحلة الثانية بتأسيس المدارس والتركيز على التعليم، أمّا الثالثة والأخيرة فهدفها إنشاء قوة شرطة محلية، على أن يتم تجهيزها بالمعدات الملائمة.
سماحة ختمت تقريرها محذرة من الفائدة الكبرى التي ستجنيها إسرائيل عقب إنشاء المنطقة الآمنة جنوب سوريا، فعندها، سيحظر على الطائرات الحربية السورية اختراقها، وسيتعذر على "حزب الله" استهداف الجولان المحتل، وهكذا تكون تل أبيب قد أحكمت سيطرتها على الأراضي التي تدعي ملكيتها وتطالب المجتمع الدولي بالاعتراف بذلك.
(ترجمة لبنان 24 - Al Monitor)