"عربيٌّ مُسلم، شاركت بالحرب ضد إسرائيل دفاعاً عن لبنان، قاتلت مع الحزب الشيوعي في جنوبه واضطررت للقتال في العراق... أنا رجل دين منفتح أكره التكفيريين، أُحبّ القوميات، كنت من أشد المؤيّدين لـ"حزب الله" المقاوم ومأخذي عليه أنّه خرج للقتال في سوريا، ضربتُ إبني (رحمه الله) مراراً لأنّه أراد الإلتحاق بالشيخ أحمد الأسير والسفر إلى الرقّة"... بهذه العناوين العريضة شرح الشيخ المصري أحمد الدخاخني أمام المحكمة العسكرية مسيرته الدينية والقتالية، وفسّرها بإسهاب في معرض إستجوابه أمامها.
الساعة الثانية بعد الظهر، نادى رئيس المحكمة العميد خليل ابراهيم على الشيخ الموقوف في قفص الإتهام مع أحد تلامذته السوري محمّد مسعود، لمحاكمتهما مع 7 آخرين بتهمة "الإشتراك في تأليف مجموعة مسلّحة واقتناء مواد متفجّرة وعبوات ناسفة وتصنيعها بواسطة قساطل حديد وبارود ومفرقعات وتكتّم البعض على مشروع التصنيع".
بعباءته الرمادية وقلّوسته البيضاء، وقف الشيخ وراء المنصّة المثبّتة أمام قوس المحكمة مسترجعاً وقوفه أمام منصّات الجوامع قبل ثلاث سنوات، ليبدأ بالردّ على أسئلة ابراهيم الذي استوضحه عن مشاركته بالحرب ضد الإسرائيليين وقتله ضباطاً للعدوّ وحبّه المتفاني للرئيس صدّام حسين؟، فأجاب: "حضرت إلى لبنان في العام 1982، يومها حلّ العدوان الإسرائيلي، كان من واجبي أن أدافع عنه، نعم شاركت في القتال ضد العدو الإسرائيلي في بيروت (البربير) كما قاتلت مع "الحزب الشيوعي" في بلدة أنصار الجنوبيّة لمدّة شهر وذلك قبل أن يفتح الإسرائيليون المعتقل.. أنا لبناني دمّي لبناني وإسرائيل عدوّي الذي أكرهه. نعم أنا قومي عربي مسلم والإسلام لا يحب التشدّد وأنا منفتح على الجميع".
عندها سأله ابراهيم مستفسراً، أن تقول ما فيه شيء من التناقضات، الإسلام لا يعترف بالقوميّة؟، فردّ الدخاخيني: "الإسلام يعترف بالقومية العربية، والنبيّ صلى الله عليه وسلّم ثبّت القوميّة حين سأله سلمان الفارسي: "إبن من أنت؟" أجاب: "أنا ابن الإسلام"، من هنا يأتي حبّي للقوميّات".
وعن قتاله في العراق قال: "ذهبت في العام 2003 إلى العراق للحصول على مخطوطة للتحضير لرسالتي "الماجستير"، فوجدت الحرب قائمة والسلاح في الشارع فاضطررت للدفاع عن نفسي ولم يكن هدفي الدفاع عن صدّام حسين لذلك قالوا عنّي أنني من "فدائيي صدّام".
لفتت أجوبة الشيخ كلّ من حضر المحاكمة وعمّ الإصغاء القاعة، أسهب الموقوف في حديثه عن تنقله بصفة إمام وخطيب في عدّة مساجد في لبنان (مسجد الإمام علي في الطريق الجديدة ومساجد داريّا وشحيم والزعروريّة) وتأسيسه مركزاً يعني بالتدريب على تلاوة القرآن الكريم في العام 2000 ضمّ عشرات الطلاب، بعدما كان مؤهلاً في الجيش المصري ورامياً للـ"أر بي جي"، لينتقل للحديث عن ولديه "محمّد" و"عبداللطيف".
لم يتوقف الإمام المتزوج من لبنانية عكّاريّة ، كلّما تلفظ بإسمي ولديه عن الدعاء لهما والترحّم عليهما ودعوة الله أن يُسامحهما بعدما فقدهما في انفجار وقع في غرفة مجاورة لمنزله كانا يجلسان فيها (يشتبه أنّهما كانا يُحضّران عبوة ناسفة من خلال حشو قسطل حديد بمادة البارود)، نافيا علمه بتحضير العبوة، ناسباً سبب محنته لإبنه "عبداللطيف" الذي كان متحمّساً للثورة السورية.
وتابع الموقوف: "ضربت إبني "عبد اللطيف" مراراً وهو في سن السادسة والعشرين يومها كان إماماً في الأزهر ومن المتفوّقين فيه، لكنّ حماسه دفعه للسفر إلى سوريا والأردن وأراد الإلتحاق بالشيخ أحمد الأسير فمنعته لأنّي لا اعتقد أنّ مشروعه كان جهاديّا.. ابني سبب بلائي سامحه الله، سبّب لي ولزوجتي داء السكّري في آنٍ معاً وأنا دفعت الثمن غالياً".
ونفى الدخاخني تشكيله مجموعة للهجوم على مراكز "حزب الله" وقال: "أنا مؤيّد للثورة السوريّة نعم،..لـ"حزب الله" المقاوم ضد اسرائيل نعم.. لكنّ مأخذي عليه أنّه خرج من لبنان للقتال في سوريا. لكنّي لم ارتكب أي جرم في لبنان وسمعتي مثل الذهب. سيّدي القاضي، ألم يقل السيّد حسن نصر الله "معركتنا في سوريا، ومن يريد القتال فليقاتلني هناك؟"، أنا لو أردت قتال الحزب لكنت ذهبت إلى سوريا لكنّي لم أشأ ذلك، لأنّي أساساً ضد المنضّمات الإسلامية ولن أكون يوماً إلا مع إسلامي الذي تعلّمته من ديني وقرآني وربّي".
وعن الإنفجار الذي أودى يحياة ولديه في منزله في داريّا، أوضح أنّه كان يقرأ القرآن بالحديقة بجوار قطيع الماعز، حين دوى انفجار في غرفة جانبية، فأسرع إلى المكان ليجد ولديه جثّتين في المكان مدرجين بالدماء، وتلميذه الموقوف محمّد مسعود قد احترقت يداه ولم يكن يعلم ماذا يحدث في الداخل أو كيف وصلت المواد المستخدمة في صناعة المتفجّرات لإبنه، مؤكّدا أنّ الأموال التي كان يستلمها في المركز كانت توزّع على المحتاجين ولم يتم شراء أي سلاح أو مواد متفجّرة فيها، مشيرا إلى أنّ ابنه "عبد اللطيف" كان لديه الفكر الجهادي وهو حاول ثنيه عنه".
وهنا إستدعى رئيس المحكمة السوري مسعود من قفص الإتهام، وسأله عن صحة قيامه بشراء المواد المتفجرة، فنفى ذلك مدّعيا حيازته لمفرقعات اشتراها لأقربائه قبيل عيد الفطر، مشيراً إلى أنّه حضر يوم الحادث إلى منزل إمام داريّا وانتظره في صالون المنزل حين دوى انفجار في غرفة مجاورة كان يجهل سببه.
وبسؤاله عن كيفية احتراق يديه، وهو ما أكّده الشيخ الدخاخني الذي أشار أنّ يدا المتهم كانتا تحترقان وهو شاهده يهمّ بالخروج من الغرفة الجانبية، قال: "احترقت يداي من ألسن النيران التي فاجئتني ما إن فتحت باب البيت لأتعقّب مصدر الصوت"، وبمواجهته بما ذكره الشيخ من أنّ الإنفجار لم ينجم عنه حريقاً، أجاب متلعثماً: "صحيح، ربما أُصبت عندما حاولت أن أنتشل ولدي الشيخ من الغرفة، حيث كان البارود متناثراً في المكان"، حينها أوقفه ابراهيم عن الكلام: "كفاك كذباً، من يدرس القرآن وتعاليم الدين لا يكذب، أنت من اشترى المفرقعات وكنت تحضّر العبوة معهما في الغرفة"، فردّ الموقوف: "غير صحيح"مؤكّدا" ردّا على سؤال أنّ الدخاخني لم يكلّفه شراء البارود.
وعند هذا الحدّ توقّف الإستجواب وأُرجئت الجلسة إلى 19 أيلول المقبل.