هل أصبح مسلخ بيروت المؤقت "مطابقاً للمواصفات" كي يُعاد افتتاحه؟ منذ شهرين، تتضارب الأجوبة حول هذا السؤال، فمنهم من يؤكد جهوزيته ـ منذ تسعة أشهرـ ومنهم من يقول إنّ عملية تأهيله لم تنته بعد، ودونها درب طويلة. في ظلّ هذا التخبط بين التأكيد والنفي، "تفرطع" تجار اللحوم بين الشويفات والفنار، معيدين تركيب «دواكين» الذبح على طريقتهم، وهي الأخرى لا تستوفي أدنى الشروط الصحية والبيئية. هذه الأزمة التي لا حلّ لها إلى الآن، خلقت بدورها أزمة أخرى تتعلّق بطريقة تعامل "الذباحين" مع بقايا ذبائحهم. اكثر من 33 مسلخاً موزعاً من الغدير وحبالين تنتج يومياً أطناناً من الأحشاء والعظام والبقايا... كلّها تُرمى في المكبات وتذهب كما هي إلى البحر. الدولة غائبة والبلديات تتفرج. هكذا تبدو الصورة المعتادة، ولكن، في الواقع، ترسم "قضية" مسلخ بيروت أبعاداً أعمق من الصورة النمطية، إذ تتغطى المصالح العقارية بالطوائف وتتضارب الهواجس البيئية بين المناطق وتنكشف "الكارثة" التي أسست لها هذه الإدارة الفاسدة للدولة ولا سيما على صعيد البنى التحتية غير المؤهلة لاستيعاب أبسط الحاجات: المسلخ.
بلدية بيروت: "ضحك على اللحى"
في أواخر "أيّامه" في مجلس بلدية بيروت ـ وتحديداً في الثلاثين من نيسان الماضي ـ ذهب بلال حمد، رئيس المجلس، محاطاً بوفد، لافتتاح مسلخ بيروت "المؤقت"، المقفل منذ نحو عامين لعدم استيفائه الشروط الصحّية.
أراد أن يختم "ولايته" بإنجازٍ "محرز". هكذا، حمل لوحة "الافتتاح" ووضعها عند مدخل المسلخ في منطقة الكرنتينا، ليعلن من خلالها عودة المسلخ للعمل. غير أنّ أمانيّه لم تجرِ كما اشتهى، فـ"البلاطة" التي يفترض أنها خلّدت لحظة الإنجاز، "طارت" في مهبّ الريح... من قبل البلديّة نفسها، إذ أعلنت مصلحة المسالخ في البلدية نفسها أنّ المسلخ "غير جاهز" للعودة إلى العمل!
قبل أسبوعين أيضاً، نظّم الحزب التقدمي الاشتراكي ـ فرع وطى المصيطبة ـ مؤتمراً صحافياً سأل فيه عن "التأخير في افتتاح مسلخ بيروت، برغم انتهاء أعمال الترميم منذ نحو تسعة أشهر؟". وللمفارقة، فإنّه، في التوقيت نفسه، كانت مصلحة المسالخ تفنّد الشروط التي لم تنفّذ، إلى الآن، في إطار العملية التأهيلية للمسلخ. وهي التي كانت قد أوصت بها وزارة الزراعة.
الشيء ونقيضه. هذا تماماً ما يحصل، وما يدفعنا إلى السؤال: هل فعلاً انتهت أعمال التأهيل في المسلخ المؤقت ولا يُعاد افتتاحه "لأسبابٍ سياسيّة"، كما يروّج البعض؟ أم أنّه لا يزال في طور العملية التأهيلية، وأنّ ما يجري "بهورة"، بحسب البعض الآخر؟ ما الذي يجري فعلاً؟
في البازار السياسي، يمكن أن يحدث كل شيء. أن يُفتتح المسلخ بلا عناء انتظار تحصيل الشروط. أن توضع لوحة افتتاح وسط تصفيق "رسمي"، بلا ضرورات السؤال عمّا إذا أصبح المسلخ جاهزاً أو لا. في السياسة، كلّ شيءٍ وارد. أما على أرض الواقع، فالحديث عن افتتاح المسلخ في الوقت الحالي "غير وارد"، يقول رئيس مصلحة المسالخ في بلدية بيروت، جوزف منعم. ينطلق منعم من اللحظة الأولى التي أُعلن فيها إقفال المسلخ المؤقت في الكرنتينا "إلى حين استيفاء الشروط الصحيّة اللازمة". يومذاك، طلبت بلدية بيروت من وزارة الزراعة، "الوصيّ" على المسالخ، إجراء كشف على المكان لإعداد لائحة تتضمّن "ما يجب العمل عليه لتأهيل المسلخ بالحدّ الأدنى". كان ذلك منذ عامٍ ونصف. عندها، أعدّت الوزارة تقريراً بـ"المينيموم". اليوم، في غمرة الأخبار عن افتتاح المسلخ، تورد مصلحة المسالخ مجموعة من المطالب الواردة في اللائحة التي لم تتوافر، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، "عدم تزويد المسلخ بمختبر ومختصين. عدم معالجة المياه المستعملة في المسلخ بواسطة فلاتر. عدم تزويد المسلخ ببابٍ ثانٍ عند المدخل. عدم إضافة أبواب عازلة بين البواكي والمسلخ. عدم تزويد المسلخ بمغاسل مع مياه باردة وساخنة وحنفيات لا تفتح باليد (...)". هذا ما لم يحصل بـ"المينيموم". أما ما جرى تنفيذه، فدونه شوائب أيضاً، إذ يعطي منعم مثالاً، في هذا الإطار، على سقف المسلخ "حيث جرى تغيير سقف الزينكو بوضع زينكو جديد، علماً أن المطلوب هو سقف من الباطون مع عوازل". أضف إلى ذلك أنّ بعض التحسينات قامت إما بـ"القدرات الذاتية، كما هي الحال بالنسبة إلى ماكينة البخار التي تنظّف الأرضيات بالمياه الساخنة"، والتي اشتُريَت من خلال الاستعانة بـ"حقّ" المحافظ في صرف بعض الملايين بقرارات استثنائية، أو من خلال التجار أنفسهم "حيث قام هؤلاء بتركيب فخاخ وشراء برادين صغيرين بالكاد يكفيان لتوضيب اللحوم الباقية".
أما ما عدا ذلك، فلم تجرِ الأمور كما يجب. وهنا، يشكو منعم من تقاعس البلدية عن القيام بهذا الأمر، "حيث لم يصرف المجلس البلدي السابق لترميم المسلخ، فمصلحة الهندسة في بلدية بيروت قامت بما قامت به من أموال ترميم الأبنية". ولئن كانت مصادر في البلدية تعدّ هذا الأمر "طبيعياً، لكون المسلخ بناءً في مدينة بيروت ويستوجب ترميمه من هذا البند"، إلا أن منعم يرفض هذا الأمر، على اعتبار أن "المسلخ يحتاج لصرف مستقل".
إذاً، لا مسلخ جاهز للعمل، انطلاقاً من تلك الوقائع ومن "ردود" تشير إلى ذلك، منها مثلاً ردّ مصلحة الصحّة بالبلدية بأنّ الوضح الصحي للمسلخ "ليس جيداً"، وردّ مصلحة المؤسسات المصنفة، التي تشير إلى أنّ "الشروط المتعلّقة بوضع المسلخ غير متوافرة في هذا المبنى". فبحسب المرسوم رقم 4917 الذي يصنّف المؤسسات الخاصة، "يصنّف مسلخ بيروت تحت خانة الفئة الأولى، أي المؤسسات الخطرة جداً، التي يفترض أن تكون الإنشاءات السكنية بعيدة عنه، ألف مترٍ على الأقل". أضف إلى ذلك أنّ محيط المسلخ غير صحّي هو الآخر، إذ يمّر بجانبه "مجرور" بسعة عشرة أمتار يصب في النهر، ومنه إلى البحر، فضلاً عن "قربه من موقف الشاحنات عند مدخل مرفأ بيروت وما تحدثه من انبعاثات روائح عند انطلاقها، ومنها انبعاثات المازوت".
لأجل كلّ هذا، وضعت مصلحة المسالخ تصوّراً لـ"عزل" المسلخ "بطريقة صحّية"، على ما يقول منعم، تفترض إقامة "تصوينة"، ولكن هذا الطلب "لا يزال منذ عامٍ ونصف يكمل دورة الإجراءات البيروقراطية".
مجرد حيط، على ما يقول منعم، لم ينه "برمته" منذ عامٍ ونصف، فكيف الحال بالنسبة إلى عمليّة تأهيل مسلخ ينقصه... مسلخ؟ هنا، لا يجد الرجل حرجاً من القول إن اعتبار المسلخ جاهزاً هو "ضحك على اللحى". لا أكثر من ذلك ولا أقل. فلنفرض أن المسلخ جاهز، فهل سيعود العمل إليه كما كان؟ أين ترمى بقايا الذبائح، مثلاً، بعد إقفال "شبكة الماكينات" التي كانت تعالج البقايا ـ أو ما اصطلح على تسميتها مطحنة العظام؟ أما السؤال الأهم، فهو عن الأرض التي اشترتها بلدية بيروت في منطقة الشويفات لإنشاء المسلخ الحديث؟ فماذا عنها؟
في المقام الأول ـ وإن عاد المسلخ ـ "لا تنفع عودته بهيئته السابقة، فالمشكلة أصلاً تتعلق بالأداء وطريقة العمل، ولهذا تفرض العودة استرجاع البلدية لإدارة المسلخ، على الأقل التمتع بسلطتها على العمّال داخله، فبدل أن يأتي التاجر بعماله، نعود إلى ما كان عليه المسلخ في ساحة البرج، عندما كان العمال فيه تابعون للبلدية"، يقول منعم. ويستطرد بالقول "بقدر إكمش موظّف بس ما بقدر إكمش عصفور طيّار". ولأنّ العمال، وفق طريقة العمل اليوم، عصافير "طيّارة"، فلا يمكن البلدية اليوم أن تضبط شيئاً، فعلى سبيل المثال لا الحصر البطاقة الصحّية الخاصّة بالعمال "لا يمكن بأي شكل من الأشكال تطبيق هذا الأمر، خصوصاً أن عمال التجار ليسوا ثابتين في العمل، ويمكن أن يستبدلوا بين الحين والآخر". وعطفاً على ذلك، من يضبط موضوع النظافة، النظافة الشخصية للعمال، "نظافة" اللحوم التي يحملها هؤلاء على أكتافهم بسبب "السكّة" المعطّلة، في ظلّ عدم وجود مختبر وأطباء بيطريين باستثناء طبيب واحد ومساعد؟ من يضمن أن "بعض" اللحم الذي يبيعه التجّار للناس طازج؟
لا أحد سيضمن شيئاً في ظلّ تشعّب الصلاحيات... والبيروقراطية الإدارية التي تفرض مثلاً عاماً كاملاً كي تنتهي "برمة" عقد النظافة.
"لا مسلخ جاهزاً" في الكرنتينا. الجواب نهائي. تماماً، كما لا مسلخ... سيجهز في الشويفات، وإن كانت بلدية بيروت قد اشترت أرضاً، مطلع أيار الماضي، في "المنطقة الصناعية" هناك، لإقامة مسلخ حديث.
مسلخ الشويفات: فيتو "البيك والمير"
في الخامس من أيار من العام الماضي، أقرّ المجلس البلدي في جلسته شراء ستة عقارات، من بينها عقار في مدينة الشويفات، بمساحة تبلغ 63 ألف متر مربّع. وكان من المفترض أن يكون هذا العقار، الذي دفعت ثمنه البلدية 48 مليون دولار أميركي، هو المكان المستحدث للمسلخ الحديث. غير أنّ سير الحكاية لم يجرِ كما يجب، و"السياسة هي السبب"، يقول رئيس مصلحة المسالخ في بلدية بيروت، جوزف منعم. أما كيف، فيتابع أحد المهتمين بملف المسلخ القول إنّ "جل ما جرى فعله في عملية الشراء تلك هو تنفيع وتسييل عقارات آل الحريري وزعماء آخرين، وهذه لعبة سماسرة الذين روجوا لهذه البيعة للانتفاع منها وتسييل الأموال"، ويضيف: "السمسار الذي باع الأرض للبلدية معروف على مين محسوب وبيمون على الكل، وعارف من أين تؤكل الكتف".
لقراءة المقال كاملًا
إضغط هنا
(راجانا حمية - الاخبار)