ومن قال أنه لا يريد أن يصحو ساعة ما يشاء، وكيفما يشاء، فيشتم العصفور المغرّد في قفص قرب نافذة غرفته المطلّة على بحر أو شجر، ثم يفرفك بعينيه أمام الطائر المسكين، يضحك، ويرميه ببعض البيض المسلوق والجرجير؟! بعد دقائق قليلة، سوف تناديه أمه. هي التي تقيم الفجر من سباته كي يطلع الضوء، بحنان، على تلك النافذة. سيحضر "صغيرها" وفي يده "سيجارة" ينفث دخانها بصعوبة. "الصبح الك يا الله! يا امي كول قبل ما تشرب هالملعونة"، تنهره. يُسعده استفزازها دائماً. يضحك. يلتهم منقوشة "الصعتر"، وفطيرتها، ويسأل عن "كاسة شاي".
ومن قال انه لا يريد أن يبتدع كذبة بيضاء، تماماً كتلك التي نقترفها جميعاً بمعدل مرة في الشهر، فيمسك بهاتفه، يعصر الحنجرة لتغيير الصوت: "والله مريض اليوم كثير. مش قادر روح عالشغل"...
ومن قال انه لا يريد قضاء طيلة فترة بعد الظهر معتنياً بالحديقة خلف البيت، حتى اذا ما حلّ المساء، أشعل فحماً وأغرق فيه "عرانيس الذرة" التي قطفها للتوّ. ونادى "الشباب". وغنّى حتى الصباح...
ومن قال انه لا يريد أن يصطحب زوجته أو حبيبته او عشيقته الى خلف القمر. سوف يطفئ هاتفه، ويغرق. ما من سبب سيعيده أو سيجبره على العودة، الا بعد أن ينتهي من قطف كلّ زنابق الهوى...
ومن قال أنه لا يريد أن يخرج من منزله دون أن تتوّرم الشرايين ويخفق القلب الى حدّ الانفجار، وهو يوّدع صغاره، على أمل طرق الباب في المساء...
ومن قال أنه لا يريد الاحتفال بكل عيد. بكل عيد على وجه هذه الرزنامة، في منزله، أو في حانة او مطعم او على رصيف الشارع تحت النجوم؟
ومن قال ان البندقية لا تسبب له التواء في الظهر والماً في الكتف؟ وأنه يفضل أن يحمل "غيثارة" أو شمس يوم يقضيه على الشاطئ؟
ومن قال أنه لا يحلم بوطن لا حرب فيه، لا جنون، لا خوف؟ تراه يخاف حين يواجه الخطر، فيرتجف كما طفل تائه في زحمة بشر. من قال أنه لا يهاب؟
ومن قال انه يعشق التراب الى حدّ نزف الجسد. ومن قال أن ما جاء في قصيدة محمود درويش عن "الشهيد" يواسيه: أما رأيتم شارداً... عيناه نجمتان؟ يداه سلتان من ريحان، وصدره وسادة النجوم والقمر، وشعره أرجوحةٌ للريح والزهر! أما رأيتم شارداً، مسافراً لا يحسن السفر!"...
ومن قال أن قلب أمه الذي يكويه فراقٌ لم يختره، لا يحرقه في القبر؟
ومن قال أن كلّ جندي مشروع شهيد، وأن الشهيد لا يموت. من قال بالله، انه اله؟!
هو، ليس سوى "وطن". لكن صدقوا أنه الوحيد الذي يحادث الله. يحاكيه. يسير على درب الكمال.
من قال أنه ليس انساناً، في لحظة صغيرة، حين يناديه الواجب، يلبس بزّة التضحية والشرف والوفاء، فيقترب من المجد؟!