لا يبدو أنّ الإتفاق النووي الإيراني- الغربي (أي مجموعة الخمس زائد واحد) الذي كان يُعوّل عليه لبنان لحصول تسوية ما في المنطقة تقود الى انتخاب رئيس الجمهورية المنتظر منذ أيار 2014، يسير على الطريق الصحيح. فهذا الإتفاق الذي بدأت إيران تشكو من عدم تنفيذ الولايات المتحدة الأميركية، كإحدى الدول الغربية الأساسية الموقّعة عليه، ما عليها من تعهّدات فيه إذ أقدم مجلسا الشيوخ والنوّاب على تشريع 50 قانوناً تتعارض معه، سيؤدّي حتماً الى المزيد من التصعيد والتوتّر في العلاقات الإيرانية- الأميركية.
لا أحد يريد عودة السلام الى منطقة الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة، على ما تؤكّد أوساط ديبلوماسية مواكبة للأحداث، لا سيما أنّ أداء الدول المؤثّرة والمعنية فيها لا يتخطّى حدود مساحتها الجغرافية والحفاظ على أمنها ومصالحها. فالولايات المتحدة عبر حلفائها في لبنان، والتي تتهم إيران بعرقلة انتخاب الرئيس فيه، لا تفي بوعودها، وأوّلها القضاء على الإرهاب الذي يُهدّد دول الجوار السوري، وانتقلت تهديداته الى الدول الأوروبية، خصوصاً تلك الشريكة معها في الإتفاق النووي الإيراني. كما أنّها لا تضع انتخاب الرئيس اللبناني من ضمن أولوياتها حالياً، ولا أمن القارة الأوروبية، كلّ ما يعنيها هو الحفاظ أولاً على أمن إسرائيل في المنطقة، وتقوم بكلّ ما يؤذي علاقتها بالدول الأخرى، كذلك تغيير خارطة المنطقة في سبيل تحقيق هذا الهدف.
فما كان يعد به هذا الإتفاق الذي "أجبر" إيران على الحدّ من تخصيب اليورانيوم والسماح للمفتّشين الدوليين بمراقبة نشاطها النووي عن كثب وبشكل يومي، لم توافق عليه كرمى لعيون إسرائيل والحفاظ على أمنها، على حدّ قول الاوساط نفسها، وتدمير أي قوّة سواها في المنطقة، هي التي كانت تُهدّده برفع شعار الممانعة والموت لها. فما تسعى له طهران هو حلحلة أزمات الشرق الأوسط بما يصبّ في مصلحتها، ولوقف الضغط على "حزب الله" واعتباره "منظمة إرهابية" وعدم الإستمرار في فرض العقوبات الإقتصادية على عناصره.
غير أنّ الولايات المتحدة لم تكتفِ بذلك، بل دعمت الدول العربية أيضاً لتصنّف الحزب إرهابياً كونه يتبع لإيران، في الوقت الذي تشهد فيه دول المنطقة وأوروبا "إرهاب التنظيمات التكفيرية على أصوله"، ولا تجد من يردعها سوى جيوش بعض الدول وعلى رأسها لبنان، فضلاً عن المقاومة، والشعب الحاضر ليتحوّل مدافعاً شرساً عن أمنه واستقراره وسلامة أراضيه. وسألت الاوساط هل تقوم الولايات المتحدة بنقض تعهّداتها في الإتفاق الإيراني لإثارة قلق إيران، وتزيد من الضغط على "حزب الله" لتريح إسرائيل التي لا تزال تدرس حتى اليوم ما عليها فعله لتنتصر في حربها الجديدة على الحزب؟
وفي المقابل، تجد الاوساط الديبلوماسية أنّه صحيح أنّه منذ التوقيع على الإتفاق النووي جرى الترويج أن لا علاقة له بحلّ أزمات المنطقة، كالحرب في العراق واليمن وسوريا، وانتخاب الرئيس في لبنان وسواها، غير أنّ ما تقوم به الولايات المتحدة حالياً من عدم السعي لحلّ هذه الأزمات كشف حقيقة دخولها فيه بشكل غير مُعلن. كذلك فإنّ استمرار دعمها للتنظيمات الإرهابية بدلاً من القضاء عليها، والاستمرار في شراء النفط منها، هو الذي يجعلها تضرب الدول الأوروبية لا سيما فرنسا وبريطانيا وألمانيا (الزائد واحد)، الشريكة لها في الإتفاق مع إيران.
والمؤسف أنّ الولايات المتحدة تغضّ النظر عمّا يجري في الدول الأوروبية من اعتداءات إرهابية، على ما تقول الأوساط، الأمر الذي دفع هذه الأخيرة الى تمتين علاقتها مع إيران كونها تسعى فعلاً الى صدّ الإرهابيين وإحباط مخططاتهم التدميرية في المنطقة. كما أنّها لا تزال ملتزمة ببنود الإتفاق النووي خصوصاً أنّ الدول الأوروبية تلتزم به ولا تفكّر في نقض تعهّداتها فيه.
كذلك فإنّ الولايات المتحدة التي أرادت الإبتعاد عن الصراع السنّي - الشيعي في المنطقة، عادت ودخلته من خلال توقيعها على الإتفاق مع إيران، إذ بدت أنّها تقف الى جانبها في حلّ أزمات المنطقة. غير أنّها نكسته بعد أن غضبت منها السعودية كونها عملت على تقوية الشيعة فيها، لا سيما بعد القوّة التي أظهرها "حزب الله" من خلال تحقيقه الإنتصار المدوي في حرب تموز 2006 ، كما إسرائيل التي لم تقتنع بأنّ إيران سوف تلتزم بتعهّداتها وتوقف عملها في المفاعل النووية وتطوّره، وتواصل السعي من أجل امتلاك القنبلة الذرية التي تُهدّدها بها.
كلّ هذه الصراعات التي شاءت إيران التخفيف من حدّتها، إن من خلال توقيعها الإتفاق النووي مع مجموعة الخمس (أي الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، روسيا والصين)، زائد واحد (أي ألمانيا)، ومن ثمّ تقرّبها من السعودية، علّ ذلك يؤدّي الى المساهمة في إيجاد الحلول المناسبة لأزمات المنطقة، تتزايد على ما يبدو بدلاً من أن تصغر. ويعود السبب الأساسي، بحسب الأوساط نفسها، الى عدم وجود النيّة لدى السعودية بالتوافق مع إيران، بل بالإبقاء على العلاقات المتوتّرة، كما على الصراع السنّي- الشيعي بهدف حكم المنطقة من الطرف الأقوى.
ولكن ما بدا من محاولة الإنقلاب الفاشلة التي تعرّض لها الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان أخيراً، على ما أكّدت الأوساط نفسها، أنّها لن تكون الوحيدة أو الأخيرة، وإن جرى اعتقال نصف سكّان البلاد، وزجّهم في السجون. كذلك فإنّ الإنقلابات قد تطال دولاً عربية أخرى لا زالت بمنأى عن التوتّرات الأمنية إذ أوجدت الجماعات التكفيرية للقضاء على "حزب الله" بسلاحه، كما يُقال، أي بالجهاد والإنتحار (أو الإستشهاد) في سبيل القضية، وإن كانت هذه الأخيرة تختلف بشكل شاسع بين المقاومة والتكفيريين.
فإلغاء الآخر باستخدام طرقه ووسائله ولكن بشكل أفظع وبطريقة غير مدروسة ولا إنسانية، لن يأتي بالنتيجة التي تريدها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة. ولا بدّ للمخططات التدميرية من أن تنقلب على الجميع، بما فيها تلك الدول التي تعتقد أنّها محمية من الدول الكبرى، كما من الإرهاب.
(دوللي بشعلاني - الديار)