أثار خروج تنظيم "داعش" من مدينة منبج في سوريا المخاوف مجدداً، من أن الضغط على الإرهابيين في العراق وسوريا سيدفعهم للعودة إلى مناطقهم الأصلية في مجموعات متشظية، تقوم بعمليات إرهابية كما حدث في العقد الأخير من القرن الماضي مع "العائدين من أفغانستان".
ورغم أنه لا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد المقاتلين الأجانب ضمن التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق، إلا أن أغلب الدراسات الأمنية تقدر أن عددا من الذين التحقوا بالقتال هناك في 4 سنوات، يزيد على عدد المقاتلين الأجانب الذين إنضموا لطالبان في نحو 10 سنوات من الحرب الأفغانية ضد الإحتلال السوفييتي.
الأعداد والمصادر
بحسب أحدث دراسة نشرتها "مجموعة سوفان"، التي يديرها عميل سابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، فقد سافر ما بين 27 ألفا و31 ألفا من الأجانب إلى سوريا والعراق للمشاركة في "الجهاد".
وقدِم هؤلاء من نحو 86 بلداً من مختلف أنحاء العالم، وأغلبهم من دول آسيوية (النصف تقريبا) تليها دول إفريقية (الثلث تقريبا) ثم دول أوروبية (أقل من الربع).
وتقدر دراسات أخرى وتقارير إعلامية مختلفة، أن "نحو ثلث هذا العدد ربما ترك مناطق القتال عائدا إلى بلده الأصلي أو بلدان أخرى، ما يعني أن هناك نحو 20 ألفا من المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق".
وقامت دراسة "سوفان" بترتيب الدول التي جاء منها أغلب المقاتلين الأجانب في صفوف الجماعات الإرهابية، ووضعت ترتيبا تتقدمه تونس ثم السعودية ثم روسيا.
وتأتي بعد ذلك دول مثل الأردن وتركيا، جاء منها في حدود ألفي مقاتل من كل منها، وقبل المغرب ولبنان ومصر، حيث لا يتجاوز عدد من جاؤوا من كل منها ألف شخص.
وجاءت، بعد ذلك، فرنسا بما يقارب الألفي مقاتل ذهبوا إلى سوريا والعراق منذ 2011، ثم في آخر قائمة الدول العشرة الرئيسية جاءت ألمانيا بعدد يساوي تقريبا عدد المقاتلين من مصر.
آسيا
ليس غريبا أن نحو نصف المقاتلين من آسيا، ففي هذه القارة دول الإتحاد السوفييتي السابق (وأهمها كمصدر للمقاتلين الشيشان وداغستان) وأفغانستان وإيران ودول الخليج العربي.
لذا فإن الروس يبررون تدخلهم في سوريا وما يصفونه حربهم على الإرهاب فيها وفي العراق، بحماية بلدهم من هؤلاء "الإرهابيين" المحليين الذين يمكن أن يضربوا الاستقرار، ليس في الشيشان وداغستان فحسب، بل في موسكو وكافة أنحاء البلاد.
أما البلد الثاني في آسيا فهو المملكة العربية السعودية، التي عانت من عمليات إرهابية لتنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن في العقود الماضية.
والآن، تتحسب السعودية لإحتمال عودة تلك العناصر، ليس مباشرة فهم مجرمون ومدانون في المملكة، ولكن الاحتمال قائم بأن يعودوا تسللا لتنفيذ عمليات إرهابية كما يقول أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الإمام بالرياض خالد الفرم.
ويرى أن الخطر الأساسي من هؤلاء يأتي من ناحية اليمن. ويقول الفرم أن "اليمن كان منذ البداية أحد المنصات الرئيسية لتسلل الإرهاب للمملكة وتواطؤ نظام علي عبد الله صالح في السابق مع تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب المتمركزة في اليمن".
وأضاف: "ونرى الآن كيف يستغل علي عبد الله صالح والحوثيون الإرهاب ليسببوا قلاقل للمملكة، لكنه يرى أيضا أن الأجهزة الأمنية في المملكة متأهبة تماما لتلك الاحتمالات وتتحسب لهذه المخاطر".
إفريقيا
تعد تونس المصدر الرئيسي للإرهابيين في سوريا والعراق القادمين من القارة السمراء، وبحسب تقديرات مختلفة هناك أكثر من 6 آلاف تونسي بين صفوف التنظيمات الإرهابية هناك، هذا بالإضافة إلى حوالي 5 آلاف تمكنت السلطات التونسية من منعهم من السفر للإنضمام لتلك التنظيمات الإرهابية، لكنهم يظلون خطرا على البلاد والجوار.
وشكل الوضع في ليبيا، بفوضويته وتناحر جماعاته المختلفة وبعضها متطرف ومتشدد وإرهابي، عاملا محفزا لسفر الإرهابيين من تونس إلى سوريا والعراق عبر تركيا. بل كانت ليبيا في وقت ما "مركز تجمع" للمتطرفين القادمين من الخليج عبر اليمن، الصومال، السودان، قبل السفر إلى تركيا لدخول سوريا أو العراق.
وتعاني تونس بالفعل من آلاف الإرهابيين الموجودين فيها، والذين ساهم حكم الإسلاميين ما بعد إنتفاضة 2011 في تقوية شوكتهم، حتى أن "حزب التحرير" المعروف بتوجهاته المتطرفة أصبح قانونيا في تونس.
ومن شأن عودة المقاتلين التونسيين من سوريا والعراق أن يزيد من تحديات مواجهة الإرهاب في البلاد، التي ما زالت تعاني من وضع سياسي واقتصادي هش.
لكن خطر عودة هؤلاء لا يقتصر على تونس، فإن عودتهم بدءا بالتمركز في ليبيا ستجعل خطرهم يزداد على دول الجوار.
وربما تخشى الجزائر ومصر من عودة هؤلاء أكثر من تونس وليبيا ذاتهما، خاصة وأن الوضع في ليبيا لا يزال يسهل الحركة المعاكسة لهؤلاء الإرهابيين العائدين.
(سكاي نيوز)