تخطو تركيا قدماً باتجاه بلورة استراتيجية جديدة في الشأن السوري، عبر مسعى لتقريب مواقف الأطراف الإقليمية والدولية المختلفة إزاء هذا الملف و»فتح صفحة جديدة» في سوريا، فيما هي تتوجس خطر إنشاء كيان كردي على حدودها الجنوبية مجاهرة في رفضه مهما كلّف الأمر، وهي ترى أن خطر ذلك الكيان موازٍ لخطر تنظيم «داعش» الإرهابي.
وفيما تعمل أنقرة على جمع المتناقضات حول الشأن السوري، تبدو العلاقة الروسية ـ الإيرانية مشوبة بالعتب، خصوصاً من قبل طهران التي ساءها كشف موسكو عن استخدام قاعدة همدان الجوية من قبل طائراتها الاستراتيجية لضرب سوريا، واصفة ذلك بـ»الاستعراض».
فقد دعا رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أمس الدول الكبرى مثل روسيا والولايات المتحدة، وتركيا وإيران والسعودية الى العمل معاً من أجل فتح «صفحة جديدة» بشأن الأزمة في سوريا دون إضاعة الوقت.
وصرح يلدريم للصحافيين عقب اجتماع للحكومة «من المهم للغاية عدم إضاعة الوقت وفتح صفحة جديدة بشأن سوريا تقوم على مقاربة تشارك فيها بشكل خاص تركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة وبعض دول الخليج والسعودية«، مضيفاً أنه «من غير المقبول بتاتاً» إقامة أي كيان كردي في شمال سوريا أو جنوب تركيا أو أي منطقة أخرى.
وقال إن موقف تركيا «واضح جداً ـ وهو عدم السماح بتقسيم سوريا والحفاظ على وحدة أراضيها وعدم السماح بتشكيل أي كيان يمكن أن يعود بفوائد على أي جماعة». وأكد أنه «يجب حماية وحدة أراضي سوريا وتشكيل حكومة شاملة تشارك فيها جميع المجموعات لإزالة كل العداوات القائمة».
وفي تصريح له السبت، قال يلدريم لأول مرة إن بشار الأسد «أحد اللاعبين» في سوريا ويمكن أن يبقى مؤقتاً خلال الفترة الانتقالية. وهو قال الاثنين «من الضروري أن تعمل جميع الأطراف لوقف سفك الدماء في سوريا وتشكيل نموذج حكم يمثل جميع السوريين».
وأكد يلدريم أنه «من غير المقبول بتاتاً» إقامة أي كيان كردي في شمال سوريا أو أي منطقة أخرى. وقال «في الحقيقة، فإن هذا أمر يجده السوريون أنفسهم غير مقبول».
ورفض يلدريم الحديث عن الحركة على الحدود التركية - السورية، وقال «من المهم دائماً أن تضبط القوات المسلحة المعابر الى بلادنا من أجل أمن الحدود، وهي دائماً مستعدة لمواجهة الهجمات من جنوب حدودنا».
وكان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو صرح أمس بأن الحدود التركية ـ السورية يجب أن «تطهر» بالكامل من تنظيم «داعش»، وذلك بعد الاعتداء الدامي الذي شهدته مدينة غازي عنتاب التركية، ونفذه بحسب أنقرة، هذا التنظيم.
وخلال لقاء مع الصحافيين في أنقرة، قال وزير الخارجية التركي «يجب تطهير حدودنا بالكامل من داعش»، مضيفاً «من واجبنا الطبيعي محاربة هذا التنظيم الإرهابي على أراضينا كما في الخارج».
واعتبر جاويش أوغلو «أن تركيا كانت دوماً الهدف الأول لداعش»، ووعد بدعم «كل عملية ضد هذا التنظيم في سوريا»، وذلك في معرض رده على سؤال وجهه أحد الصحافيين عما إذا كانت تركيا تدعم هجوماً تحضره فصائل من الجيش السوري الحر لطرد التنظيم المتطرف من مدينة جرابلس.
وتعد جرابلس، آخر أهم المعابر الحدودية التي يسيطر عليها تنظيم «داعش» بين سوريا وتركيا، وثاني أهم معقل له الى جانب مدينة الباب في محافظة حلب.
وأكد جاويش أوغلو الذي فتحت بلاده قاعدتها الجوية في انجرليك (جنوب) أمام التحالف المعادي لتنظيم داعش، أن تركيا لا تسمح بهذا التنظيم بالعمل على أراضيها، ولهذا السبب فإن رئيسها رجب طيب اردوغان هو «الهدف الأول» له. وقال «سنحارب داعش حتى النهاية، وندعم أيضاً المعركة التي تخوضها الدول الأخرى ضد هذا التنظيم الإرهابي».
ميدانياً أفادت قناتا «ان تي في» و»سي ان ان تورك» أن مرابض المدفعية المنصوبة داخل الأراضي التركية قصفت مواقع لـ»داعش» في جرابلس، ومواقع لوحدات حماية الشعب الكردي قرب منبج.
وقال مسؤول تركي إن الجيش التركي قصف أهدافاً للأكراد السوريين 20 مرة بالمدفعية في منبج في شمال سوريا مضيفاً أن الجيش يواصل قصف أهداف لتنظيم «داعش» في بلدة جرابلس السورية على الحدود مع تركيا.
وقال المسؤول «الهدف هو فتح ممر لتنفيذ عملية«.
وفي ملف سوري آخر، انتقد وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان أمس روسيا لأنها كشفت عن استخدام قاعدة جوية في همدان لشن ضربات في سوريا، ووصف ذلك بأنه فعل «استعراضي» وينم عن «عدم الاكتراث».
وتأتي الانتقادات التي وجهها الوزير الإيراني خلال مقابلة مع القناة الثانية في التلفزيون الإيراني بعد إعلان روسيا الأسبوع الماضي استخدام القاعدة في غرب إيران لضرب فصائل مسلحة ومتطرفين في سوريا.
وقال دهقان «طبيعي ان يعنى الروس باستعراض لكونهم قوة عظمى ودولة ذات نفوذ وأنهم فاعلون في القضايا الأمنية في المنطقة والعالم». وأضاف «كان هناك نوع من الاستعراض وعدم الاكتراث في الإعلان عن هذا النبأ».
وأضاف دهقان «تعاوننا وسنواصل التعاون مع سوريا وروسيا»، موضحاً «قررت روسيا استخدام عدد أكبر من الطائرات وزيادة سرعتها ودقتها في العمليات. وبالتالي كانت بحاجة الى إعادة تموين (طائراتها) في منطقة أقرب الى العمليات. ولهذا استخدموا قاعدة نوجة (في همدان) ولكننا لم نعطهم بأي حال قاعدة عسكرية».
وفي سياق متصل قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي للصحافيين في طهران إن استخدام قاعدة همدان «كانت مهمة محددة بترخيص مسبق وانتهت حالياً. نفذوا المهمة وذهبوا الآن». وترك قاسمي الباب مفتوحاً أمام استخدام الروس مجدداً للأواء الإيرانية بقوله إن الأمر يتوقف على «الوضع في المنطقة وعلى أخذ الاذن منا».
ونقلت وزارة الدفاع الروسية عن المتحدث العسكري ايغور كوناشنكوف قوله إن الطائرات «نفذت جميع مهامها بنجاح» وعادت الى الأراضي الروسية. وقال إن أي استخدام إضافي للطائرات الروسية لقاعدة همدان سيتم «وفقاً لاتفاقيات متبادلة حول قتال الإرهاب مع أخذ الوضع في سوريا في الاعتبار».
وأكد السفير الروسي في طهران ليفان جهاغاريان أنه لا يوجد سبب يحول دون تكرار استخدام القاعدة. وصرح لوكالة انترفاكس الروسية للأنباء «لا توجد أسباب للقلق. إذا اعتبر قادة البلدين أن الأمر ضروري، وتوصلوا الى اتفاقيات بهذا الشأن، فأين المشكلة».
وأضاف «في الوقت الحالي لم يتبق أي روس في (قاعدة) همدان».
وجاءت تصريحات قاسمي بعد ساعات من مقابلة أجراها دهقان وانتقد فيها في موقف يندر حدوثه، روسيا لأنها كشفت عن استخدام قاعدة نوجة لشن ضربات في سوريا ووصف ذلك بأنه فعل «استعراضي» وينم عن «عدم اكتراث».
وقالت وزارة الخارجية الأميركية إنها اطلعت على تقارير تفيد أن روسيا أنهت استخدامها لقاعدة جوية إيرانية في تنفيذ ضربات ضد متشددين سوريين ولكن ليس واضحاً ما إذا كان الاستخدام الروسي للقاعدة توقف فعلياً.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية مارك تونر في إفادة صحافية إن الولايات المتحدة تراقب عن كثب التعاون بين روسيا وإيران وإنه «ليس واضحاً بالنسبة لنا... ما إذا كان استخدامها (موسكو) لهذه القاعدة قد توقف بشكل حاسم«.
في نيروبي، قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري أمس إن محادثات بشأن التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وروسيا في محاربة «داعش» في سوريا تقترب من نهايتها وإن الفرق الفنية ستجتمع هذا الأسبوع لمناقشة التفاصيل.
وأضاف في مؤتمر صحافي خلال زيارة لكينيا «نجري حالياً حوارات وأملي أن نصل إلى نهاية هذه المناقشات بطريقة أو أخرى«. ومضى قائلاً من دون ذكر تفاصيل «في الأيام القادمة... ستجتمع الفرق (الفنية) هذا الأسبوع وبناء على ما تحققه هذه المناقشات، فإن من الممكن بل من المرجح جداً أن نجتمع أنا ووزير الخارجية (سيرغي) لافروف«.
كما أعلن تونر في السادس عشر من آب «نواصل التباحث مع روسيا حول وقف جدي لإطلاق النار وفتح المجال أمام المساعدات الإنسانية واستئناف المفاوضات في جنيف».
وتعليقاً على ما يحدث في حلب من مجازر، قال الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إن المجتمع الدولي سيجر أذيال الخزي والعار إذا لم يفعل شيئاً لإنهاء الأزمة الإنسانية المستمرة في مدينة حلب بشمال سوريا.
وأدى تصاعد وتيرة القتال وغارات جوية في حلب وحولها إلى تنامي القلق الدولي خصوصاً بعد نشر صور لطفل انتشل من تحت أنقاض المدينة والدماء تغطي وجهه وهو في حالة من الذهول.
وقال الرئيس الفرنسي للصحافيين وإلى جواره المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ورئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينتسي، «نعرف أن هناك صراعات لم تُحل وأنا أفكر في ما يحدث في سوريا وفي هذه الأزمة في حلب.. هذه كارثة إنسانية ستجلب العار يوماً ما للمجتمع الدولي إذا لم يفعل شيئاً».
وزادت محنة آلاف المدنيين في حلب في المناطق المحاصرة بسبب النقص الحاد في السلع الأساسية، ما دفع برنامج الأغذية العالمي إلى التحذير من وضع «رهيب».
وعبر المسؤول عن العمليات الإنسانية في الأمم المتحدة ستيفن أوبراين في مجلس الأمن عن غضبه حيال الوضع في حلب الذي قد يؤدي حسب قوله الى «كارثة إنسانية غير مسبوقة» منذ اندلاع النزاع في سوريا.
وقال أيضاً إن عشرات الشاحنات التابعة للأمم المتحدة مستعدة لإغاثة سكان الأحياء الشرقية للمدينة الـ275 ألفاً فور التوصل الى اتفاق من كافة الأطراف لهدنة إنسانية من 48 ساعة.
وقال أمام سفراء الدول الـ15 الأعضاء في المجلس «لا يمكنني أن أخفي غضبي. إني غاضب جداً«، مندداً بـ»مجزرة لا رحمة فيها» و»ذروة الفظاعات» التي تشهدها مدينة حلب.
وأضاف «في حلب قد نشهد كارثة إنسانية غير مسبوقة في سنوات الحرب الخمس» التي عرفتها سوريا.
وفي سياق آخر، قال الجيش الإسرائيلي إن طائراته هاجمت هدفاً في سوريا بعد تعرض إسرائيل لقذائف طائشة من القتال بين الفصائل في سوريا. وأضاف أن القذائف السورية سقطت في أرض فضاء في مرتفعات الجولان ولم تسفر عن إصابات. وتابع أن سلاح الجو استهدف «راجمة تابعة للجيش السوري» رداً على هذه النيران.