لم تفاجئ خطوة "التيار الوطني الحر" التحذيرية بمقاطعة جلسة مجلس الوزراء غداً المتابعين، بل جاءت مطابقة للتوقعات التي سبقتها، وبدا واضحاً ان "التيار" الذي سيغيب وزيراه جبران باسيل والياس ابو صعب عن جلسة مجلس الوزراء "كرسالة اعتراضية تحذيرية" رداً على الاتجاه الى التمديد للقيادات العسكرية أراد من خطوته اختبار حلفائه قبل خصومه في منحى تصعيدي متدرج لا يزال يفتقر الى مظلة هؤلاء الحلفاء بدليل ان حزب "الطاشناق" وحده قرر دعم التيار في خطوته بانضمام الوزير ارتور نظاريان الى وزيري التيار، بحسب "النهار".
مقاطعة عونيَّة للحكومة
حوَّلت وقائع الساعات الماضية المشهد الداخلي، وفق "الجمهورية" ملعباً لتقاذفِ الكرة السياسية. وبدأ "التيار الوطني الحر" أولى خطوات التصعيد السياسي، بإعلانه مقاطعة جلسة مجلس الوزراء المقرّرة غداً الخميس، وهي خطوة ترَكت تساؤلات حول توقيتها ومغزاها والجدوى منها، وكذلك حول ماهيّة الخطوات التالية والمدى الذي ستبلغه "العاصفة السياسية" لضربِ الواقع السياسي وما ستخلّفه من مكاسب، وأيضاً ما يترتّب عليها من أضرار.
بهذه العبارة علّق قيادي مسيحي مخضرم على قرار تكتل "الإصلاح والتغيير" بمقاطعة أو عدم حضور جلسة مجلس الوزراء كرسالة تحذيرية إعتراضية، واصفاً اياها بأنها "لعب على حافة الهاوية"، خصوصاً أن القرار رمي الكرة إلى القوى السياسية، المشكلة للحكومة، في محاولة لإخراجها، أو نقل الأزمة إلى الكتل النيابية الإسلامية والمسيحية الحريصة على تجنيب البلاد والعباد حلقة جديدة من حلقات التعطيل، التي تهدد بتفاقم الأزمات والعودة بالنفايات إلى الشارع، وبقطع الكهرباء، وفقدان المياه، والضغط بكل أساليب التعطيل والابتعاد عن المعالجات المفيدة، والتي يمكن ان تؤدي إلى نقل البلد من أجواء التوتر إلى أجواء التهدئة والاستقرار.
والواضح وفق "الجمهورية" أنّ "التيار" ألقى الكرة بشكل أساسي في ملعب رئيس الحكومة تمام سلام، مقرونةً بدعوة غير مباشرة إلى عدم عقدِ جلسة الخميس، وبإشهار سلاح "الميثاقية"، قطعاً للطريق أمام أيّ محاولة لعقدِ الجلسة واتّخاذ قرارات وتعيينات أمنية أو إدارية في غياب المكوّن المسيحي.
وكان باسيل قد أعلنَ بعد اجتماع تكتّل "التغيير والإصلاح" مقاطعة وزراء "التيار" جلسة اليوم "كرسالة اعتراضية تحذيرية للحكومة لتتوقّفَ عن مخالفة القانون". وأشار إلى أنّ "القضية متعلقة بميثاقية الحكومة" وسأل: "هل تجتمع من دون حضورنا؟ وهل سيتمّ تغييب القوى المسيحية؟"، وقالت "السفير" إنه برغم كل محاولات "ترقيع" رداء الحكومة المليء بالثقوب، إلا أن التناقض الصارخ، والمتعدد الأبعاد، بين مصالح القوى السياسية وصل الى حد تهديد "الستاتيكو الحكومي" الهشّ. ولم تعد "اسفنجة" مجلس الرؤساء، المسمّى مجازاً مجلس الوزراء، قادرة على امتصاص مفاعيل الفراغ الممتد من قصر بعبدا الى مجلس النواب مروراً بمعظم العروق المتيبّسة للدولة. صارت الأزمة أكبر من محاولات التشاطر أو التحايل عليها، وأصعب من أن تخدّرها المسكّنات أو المساكنة مع الأمر الواقع. والأرجح أن قرار التيار الوطني الحر بمقاطعة جلسة مجلس الوزراء غداً احتجاجاً على التمديد للقيادات العسكرية، إنما يعبّر في مضمونه عن الأزمة الأوسع، المتمثلة في الأفق الرئاسي المسدود وضيق فرص التسوية الداخلية، فيما الوقت يمر ثقيلا على الرابية التي ضاقت ذرعاً بالانتظار العبثي. ويبدو واضحاً أن عون قرر في مرحلة أولى ان "يهزّ" الطاولة، ملوّحاً بإمكانية ان يقلبها لاحقاً على رؤوس الجميع ما لم يلتقطوا رسالة الغياب عن جلسة الخميس، واضعاً الحلفاء والخصوم امام اختبار الميثاقية، من الحكومة الى.. رئاسة الجمهورية. ولكن، الى أي مدى يستطيع الجنرال أن يذهب في "حركته التصحيحية"، وسط مناخ اقليمي حار لا يسمح بترف "الانقلابات"؟
وبات واضحاً لـ"السفير" أن سباق عون مع الزمن بلغ أمتاره الأخيرة، وأن الجنرال يتصرف على قاعدة أن 5 أيلول (موعد جلسة الحوار الوطني) و7 أيلول (موعد جلسة انتخاب الرئيس) هما تاريخان مفصليان، لجهة تحديد وجهة السير في اتجاه خوض المواجهة المفتوحة او سلوك طريق التسوية إما من بوابة انتخاب الرئيس وإما عبر وضع قانون انتخاب جديد. وحتى ذلك الحين، تبدو الحكومة امام مفترق طرق، إذ ليس سهلا ان تخضع الى "أمر اليوم" البرتقالي وتعلّق جلساتها، وليس سهلاً كذلك ان تتجاهل غياب قوى اساسية تمثل الجزء الأوسع من المسيحيين وهي التيار الوطني الحر وحزب الكتائب والقوات اللبنانية، مع ما يمكن ان يرتبه ذلك من تبعات ألمح اليها الوزير جبران باسيل بعد اجتماع تكتل التغيير والاصلاح بتحذيره من أزمة نظام.. وانتفاضة شارع.
ضرورة الحكومة
وقد فتحت المقاطعة البرتقالية لمجلس الوزراء وفق "السفير" الباب على نقاش قديم ـ جديد حول مفهوم الميثاقية وتفسيره، في ظل تعدد الاجتهادات التي غالباً ما تتحكم بها الاصطفافات السياسية والطائفية على حساب المعايير الدستورية المجرّدة من الأهواء والهويات.
وقال مرجع سياسي لـ"الجمهورية" إنّ "تعطيل الحكومة وصولاً إلى تطييرها، أمر شديد الخطورة، وبالتأكيد الحكومة لا تحسَد عليه، ولكنّها على شللِها الحالي لا بل هرَيانها وعدم إنتاجيتها تبقى أفضل مِن لا شيء، فذهاب الحكومة يعني الدخول في المجهول، وهذا يفرض على الجميع الحفاظ عليها حتى ولو كانت مجرّد هيكل عظمي". ورفضَ ظهور الطرف الحكومي في موقع الضعيف أمام "العاصفة العونية"، وسأل إنْ تمَّت الاستجابة، وتقرَّر تأجيل الجلسة أو إلغاؤها، فمعنى ذلك إعطاء "التيار" ما يريده، وساعتئذٍ سيَذهب إلى تصعيد موقفِه أكثر فأكثر، والسؤال الذي نطرحه على الجميع إنْ تعطّلت الحكومة الخميس، كيف ستنعقِد بعد ذلك وبأيّ ثمن؟". وخالفَ المرجع المنطق القائل بانعدام الميثاقية على الحكومة إذا ما غادرَها وزراء "التيار الوطني الحر" وقال: "الميثاقية موجودة، وهناك وزراء من كلّ المذاهب المسيحية موجودون في الحكومة إلى جانب المكوّن المسلم السنّي والشيعي والدرزي، ولذلك الميثاقية متوفّرة". أضاف: "تحت عنوان الميثاقية تمّ تعطيل المجلس النيابي، والآن يُراد تعطيل الحكومة تحت عناوين وأسباب هم وَضعوها، ثمّ إذا كان الأمر متّصلاً بموضوع التمديد لقائد الجيش، فما دخلُ الحكومة؟ الحكومة ليست معنيّة، هذا الأمر مرتبط بالوزير المعني الذي هو يتّخذ القرار في هذا الشأن. في أيّ حال، إن استمرّوا على هذا النحو، فليس هناك ما يَمنع الرئيس بري من أن يدعو إلى جلسة تشريعية وبمَن حضَر إذا ما حتّمت انعقادَها الضرورات الملحّة، لأنّ مصلحة البلاد فوق كلّ اعتبار، علماً أنّ برّي ما زال يؤكد أنّه راعى وما يزال، الحدّ الأدنى والأعلى من الميثاقية على انعقاد جلسات المجلس النيابي".
إرباك حكومي.. وسلام يرد
ومن المؤكد وفق "اللواء" ان الموقف الناجم عن قرار تكتل الإصلاح والتغيير أحدث ارباكاً اضافياً، ليس للوزراء المسيحيين وحسب، بل لسائر الوزراء والكتل التي تقف وراءهم وباتت الأسئلة تتدحرج ضمن سياق لا معقول:
تعقد جلسة مجلس الوزراء غداً أو لا تعقد؟
هل التأجيل يساهم في معالجة المطالب العونية؟ أم انه رضوخ لابتزاز يزيد الطين بلة؟
هل الميثاقية الحكومية لا تتحقق الا عبر وزراء التيار العوني، وماذا عن سائر الوزراء الممثلين في الحكومة؟
إلّا أنّ اللافت لـ"الجمهورية" أنّ سلام تلقّى الرسالة العونية، وجرى تشاور بينه وبين رئيس المجلس النيابي نبيه بري وكذلك مع فريقه السياسي. وأكّدت مصادر سلام أنّ الجلسة ستُعقد في موعدها، والحكومة لن تتعطّل كلّما قرّر فريق مقاطعتَها احتجاجاً على ملفّ لا يُعجبه. ورفضَت الحديث عن غياب "الميثاقية" في جلسة الغد، مؤكّدةً أنّ "كلّ الطوائف ستكون حاضرة وممثلة"، وسألت: "هل الوزراء المسيحيون العشرة هم غير مسيحيين؟". واعتبرَت أنّ "التذرّع بأنّ التيار إلى جانب الكتائب يشكّلان مكوّنين مسيحيين غائبين عن الحكومة هي مقاربة غير دقيقة، لأنّ الوزير آلان حكيم يمارس مهامّه بشكل اعتيادي في وزارته، وحلفاء التيار الوطني الحر سيحضرون الجلسة، كما أنّ وزيرَي "التيار" لم يعلِنا استقالتهما، ولم يُبلغا رئاسة الحكومة لا بالمقاطعة ولا بالاستقالة، بل تمّ الإبلاغ عن الغياب عن جلسة الغد عبر الإعلام، وهذا ليس سبباً لتعليق جلسات الحكومة".
معلومات "اللواء" تفيد ان سلام، وانطلاقاً من مسؤولياته الوطنية حريص على مشاركة جميع الوزراء في الجلسة، وتفيد اوساطه ان موعد الجلسة قائم في موعده المحدد اساساً، وهو ينأى بنفسه عن المتاهات والسجالات.
وقالت مصادر وزارية واسعة الاطلاع لـ"اللواء" ان لا شيء سيتغير بمقاطعة باسيل وبو صعب للحكومة داعية الى "التمسك بالدستور الذي يحفظ الدولة ومعربة عن رفضها لأي منطق طائفي أو مذهبي". وأعادت التأكيد على ان خلفية تأليف الحكومة انطلقت من الحاجة إلى الحؤول دون الوصول إلى فراغ في البلد في حال وقع الفراغ الرئاسي. ودعت إلى العمل من منطلق وطني لأن جميع الوزراء يمثلون الشعب اللبناني بجميع طوائفه ومذاهبه. وشددت على ان الدستور هو كتاب السياسة وله الأولوية في مجلس الوزراء، متهمة من يمارس السياسة من منطلق طائفي ضيق يُهدّد بخراب البلد وأن مقاطعة الحكومة لا تعني مساعدة المسيحيين، وأن عدم مشاركة وزراء التكتل أو وزراء الكتائب وعددهم لا يتجاوز أصابع اليد لا يعني ان الحكومة فقدت ميثاقيتها، فالوزراء المسيحيون الآخرون لا يقلون شأناً عنهم. وتساءلت إلى أين يريد التيار العوني الذهبا بالبلد "هل إلى الهاوية؟" وختمت: "يكفي ابتزازاً".
وأبلغت مصادر حكومية "السفير" ان جلسة مجلس الوزراء لا تزال قائمة في موعدها غدا الخميس، وهي ستنعقد بحضور حلفاء "التيار" وستدرس جدول الاعمال المقرر، إلا إذا طرأ خلال الاتصالات المتوقع ان تتم اليوم ما يستوجب تأجيلها. واعتبرت ان شرط الميثاقية يبقى متوافرا في الحكومة حتى لو غاب "التيار" عنها، لأن المقصود بالميثاقية هو وجوب تمثيل كل الطوائف في مؤسسات الحكم، وليس جميع القوى السياسية، وبالتالي فان مقاطعة الوزيرين جبران باسيل والياس بوصعب تعني ان مكوناً سياسياً يغيب، لا المكوّن المسيحي، متسائلة عما إذا كان الوزراء سجعان قزي ورمزي جريج وبطرس حرب وميشال فرعون وريمون عريجي وسمير مقبل وأليس شبطيني ونبيل دوفريج هم غير مسيحيين. وأشارت الى ان خطاب التيار ينطوي على "كلام كبير"، لا يتناسب مع حساسية هذه المرحلة. ونفت ان يكون قد جرى تفاهم في داخل الحكومة على ان غياب مكوّنين يحول دون انعقاد مجلس الوزراء، علما ان الوزراء الذين شاركوا في الحكومة باسم المكوّن الكتائبي لا يزالون حاضرين من خلال قزي وجريج اللذين رفضا الاستقالة، وحتى الوزير المستقيل آلان حكيم يواصل تصريف الاعمال.
أبلغ وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس "اللواء" اننا لم نتبلغ بأي تأجيل لموعد الجلسة واننا سنذهب إلى السراي للمشاركة فيها ومناقشة جدول أعمالها وإقرار ما يلزم من اعتمادات وتعيينات وفقاً للبنود 127 المدرجة على جدول الأعمال. وعلق على ما قاله الوزير باسيل من ان الميثاقية في خطر وأن النظام في خطر بالقول ان وجودنا ككل بات مهدداً.
برّي: لا للتعطيل و"حزب الله" لا يتضامن
على أنّ الصورة كانت أكثرَ وضوحاً في عين التينة، وفق "الجمهورية" حيث أكّد بري أمام زوّاره على رفض تعطيل الحكومة، كما على رفض تعطيل أيّ مؤسسة دستورية، وفي مقدّمها مجلس النواب.
وسألت "السفير" إن كان عون يمكنه ان يذهب شبه وحيد الى هذه المغامرة، من دون الاستئناس برفقة "حزب الله" الذي يدعم التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي وسيشارك في جلسة مجلس الوزراء في تمايز واضح عن خيار الجنرال؟
وأشارت "الجمهورية" إلى أن "التيار" يترقّب موقفَ حليفه "حزب الله" الذي ما يزال يعتصم بالصمت، علماً أنّ مطّلعين يجزمون بأنّ الحزب قد لا يماشي حليفَه في موضوع مقاطعة الحكومة، مع احتمال أن يبادر الحزب إلى اتّصالات "لتبريد النفوس".
وأوضحت مصادر وزارية لـ"اللواء" أن "حزب الله" دخل على خط التواصل مع الرئيس سلام في محاولة لتأجيل الجلسة وتجنّب الإحراج مع الحليف العوني، من دون أن تكشف المصادر عمّا آلت إليه الاتصالات على هذا الصعيد.
وأبلغت أوساط سياسية مطلعة على موقف حزب الله" عبر "السفير" أن الحزب يتجه الى المشاركة في جلسة الخميس، ما لم يتم تأجيلها، لأنه يخشى من تداعيات تعميم الفراغ. وأشارت الاوساط الى ان الحزب لا يجد مصلحة في شلّ الحكومة في هذا التوقيت، بالترافق مع الشغور الرئاسي والجمود التشريعي، ووسط ظرف اقليمي دقيق، لاسيما ان تعطيل الحكومة سيكون من دون أفق، ولا يساهم في تسريع الحلول.
بكركي تحذّر
وفي المقابل، حذّرت بكركي من تجاوُز "الميثاقية" وتغييبِ المكوّن المسيحي، وذلك على لسان النائب البطريركي العام المطران بولس صياح، الذي قال لـ"الجمهورية" إنّ "الرهان هو على حسِّ الرئيس سلام الميثاقي، إذ إنّه يَعرف التركيبة اللبنانية جيّداً ولا يمكنه أن يستمرّ بلا المكوّن المسيحي، لذلك يُفترض أن يتحرّك وفقَ ما تقتضيه المصلحة الوطنية".
جنبلاط: لا تنام بين القبور
وسألت "السفير" رئيس "اللقاء الديمقراطي" النائب وليد جنبلاط عن تعليقه على قرار "التيار" بمقاطعة جلسة الخميس، فأجاب: "دخيلك.. أفضّل عدم التعليق عملا بالمثل القائل لا تنام بين القبور ولا تشوف منامات وحشة".