هل يحمل الرئيس سعد الحريري جديداً في جعبته اذا ومتى قرّر العودة الى لبنان، وهل لدى رئيس تيار "المستقبل" خطة ما أو خريطة طريق لتجاوز المرحلة المقبلة بعدما نُقل عنه كلام واضح مفاده أنّه لن يمضي قدما بترشيح الجنرال ميشال عون، وهل هو عنى هذا الكلام فعلا؟ وان صدق هذا الكلام، فهل جاء بعد التنسيق بمسألة الرئاسة مع المملكة العربية السعودية، أم أنّ الحريري قرّر الامتناع من الأساس عن خوض مغامرة من هذا الحجم قبل تلقّي الضوء الأخضر السعودي؟ ولماذا أفرط العونيون بالتفاؤل في غياب معطيات حاسمة حول قرار مستقبلي بتبنّي ترشيح عون؟
أسئلة عديدة تطرح نفسها في ضوء التطورات الأخيرة على الساحة اللبنانية، ولا جوب عليها حتى الساعة. وأما السؤال الأهم فيتمحور حول ما اذا كان الحريري قد التقى أو سوف يلتقي في الأيام القليلة المقبلة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، وسط شائعات بأنّ هذا اللقاء قد تمّ منذ يوم أو يومين، وأخرى تجزم بأنّه سوف يتمّ في الساعات المقبلة.
وعلى رغم الغموض الذي يغمر المشهدية السياسية عامة، لا بدّ من بعض الاستنتاجات في ضوء التطورات الأخيرة في البلاد، من ضمنها أنّ الحريري لن يعود الى بيروت الا بعد 28 الشهر الجاري، وهو موعد الجلسة الـ 45 لانتخاب الرئيس، بعدما أكّدت كتلته أن ليس من جديد على المستوى الرئاسي وأنّ مرشحها لا يزال النائب سليمان فرنجية.
وأما الأسباب التي أدّت الى ترويج جوّ إيجابي حول امكانية أن يسير تيار "المستقبل" بترشيح عون، ولو قبل الموافقة السعودية، والتي عادت فنفتها كتلة "المستقبل" رسميّا، فقد تكون قد انطلقت من إشارات واضحة وواقعية أنّ الحريريّ اليوم غير الحريري بالأمس في ما يتعلّق بمسألة الجنرال، وأنه، وعلى رغم الحديث المعلن حول عدم تأييده لعون، قد أبدى انفتاحا غير مسبوق تجاه هذا الأخير في الآونة الأخيرة، جسّده التناغم والاجتماعات المغلقة بين ممثلي الرابية و"بيت الوسط"، وتحديدا بين الوزير جبران باسيل ومدير مكتب الحريري نادر الحريري.
بالون اختبار
وفي هذا الإطار، تذهب أوساط سياسية الى حدّ عدم استبعاد أن تكون الشائعات حول امكانية ان يمضي التيار الأزرق قدما بترشيح قاطن الرابية قد أتت نتيجة اتفاق بين الجهتين على تسريبها من قبل العونيين وترقّب نتائجها في الشارع السنّي، فتكون بمثابة بالون اختبار أو كابح الصدمة التي قد يشكّلها قرار بهذا الحجم على جمهور "المستقبل"، تحضيرا لإقناعه بخيار عون ولامتصاص استيائه حيال الموضوع، فيعتاد على فكرة الجنرال تماماً كما جرى الإمر سابقا مع فرنجية.
وعلى هذا الأساس، من غير المستغرب أن يبقى الأمل سائدا حول امكانية تفاهم زرقاوي- برتقالي يحصل في لحظة وعلى بغتة، على رغم الكلام العلني في صفوف المستقبليين بأن لا جديد في موضوع الرئاسة. بالاضافة إلى أنه قد تكون التأكيدات "المستقبلية" بأن لا قرار بدعم عون رسالة موجهة أولا وآخراً الى السعودية تؤكد التزام الحريري بالخط السعودي، في غياب ضوء أخضر من قبل المملكة لخيار عون.
وفي أي حال، ومهما تكن أسباب التفاؤل الذي هيمن مؤخراً على الساحة السياسية بأنّ حلّ عقدة الرئاسة قد بات وشيكا، وسواء صدقت هذه الأجواء الإيجابية أم لم تصدق، يبقى أمام الحريري خيارات قليلة للتعامل مع مجري الأمور في المرحلة المقبلة، ان لم يحظَ على دعم ومساندة السعودية في فترة وجيزة. اذ، وفي هذه الحال، أي في حال اضطرّ على حسم أمره بنفسه، فهو أمام خيارات ثلاثة: اما أن يتبنّى ترشيح عون، فيحصل في المقابل على رئاسة الحكومة والحقائب التي قد تساعده على استعادة عافيته المالية ونفوذه بين أهل الحكم، ولكنّه في المقابل قد يخسر الشارع السنّي ويرسّخ الانشقاق في كتلته؛ واما إن يمضي قدماً بترشيحه لفرنجيه، ويعتمد بالموازاة أسلوبا تصعيدياً ضدّ "حزب الله" ويوقف الحوار الثنائي معه، ويتهمه بأنّه لا يريد حلاً في البلاد حتى ولو قُدّم له على طبق من فضّة، فيكسب العطف السنّي، لاغياً من حوله جميع المتطفّلين على الزعامة السنية من ضمن فريقه ويستعيد مركزه القيادي في طائفته، ما قد يهيئه لخوض معركة الانتخابات النيابية المقبلة من دون القلق على وضعه المالي؛ واما أن يعتزل الحياة السياسية، أو أقلّه أن يعلّق نشاطه السياسي في المرحلة المقبلة، خصوصا اذا شعر أنّ المملكة السعودية لن تقف الى جانبه، ما قد يدفعه الى اختصار الأضرار التي لحقت به، سياسياً كانت أم مالية.
ولكن، وكما تشير اليه أوساط سياسية محايدة، من غير المنطقي أن تستغني السعودية عن حليفها الأول في لبنان مهما كانت مآخذها عليه، وليس تلكؤ المملكة في مؤازرة الحريري ومدّ يد المساعدة له الا نتيجة حسابات سعودية لا تتعلّق بالحريري شخصيا بل بوضع المملكة العام.
فعلى الصعيد المالي، ليس الحريري الوحيد الذي يواجه مشاكل جدّية في السعودية كما هو الحال مع شركته "سعودي أوجيه"، بل إنّ حاله هي كحال الكثيرين من رجال الأعمال البارزين في بلاد خادم الحرمين الشريفين، وبالتالي ليس سهلاً تقديم المساعدة له دون سواه. وأما سياسيا، فإنّ ما قد يصفه البعض بعدم مبالاة المملكة بالشأن اللبناني مردّه ليس استياء من أداء الحريري كما يروّج له البعض، بل كون لبنان قد انزلق الى أدنى المستويات على سلّم الأولويات السعودية، نظرا إلى أنّ المملكة منكبّة على ملفات أكثر أهمية بالنسبة اليها كاليمن وسوريا، وأنّها تنظر الى الملفّ اللبناني على أنّه امتدادٌ للمسألة السورية ليس الّا.
ومن هنا التباطؤ السعودي في ايجاد حلّ للبنان ولوضع الحريري فيه. أما وإن ارتأت المملكة أن الحريري قد بات في نطاق الخطر السياسي، بمعنى أنّ نفوذه كزعيم سنّي قد أصبح فعلا مهدّدا، فلن تتردّد في التدخل لتعويمه في اللحظة التي تجدها مناسبة، فلا يراهنٓنّ أحدٌ على انزلاق الشيخ لأنّ أملهم قد يخيب، كما تقول الأوساط.