أمّا وقد وصل التراشق الكلاميّ الأميركيّ – الروسيّ المتبادَل في الآونة الأخيرة إلى درجاتٍ قياسيّةٍ لم يسبق لارتفاع منسوب خطورتها مثيل منذ زمان الحرب الباردة، فإنّ الأنظار باتت محكومةً بالتوجّه مع بداية كلّ يومٍ جديدٍ إلى ترقُّب ما يمكن إدراجه في خانة الآتي الأعظم، ولا سيّما أنّ الانعكاسات الميدانيّة لمفردات لغة التخاطب الحاليّة بين الجانبين، سواءٌ داخل أروقة وزارتيْ الدفاع في كلٍّ من واشنطن وموسكو، أم على جبهات القتال المشتعلة في سوريا، أصبحت تنذر بالفعل، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى، بعواقبَ وخيمةٍ من شأنها تهديدُ أسس الاستقرار العالميّ، الهشّ أصلًا، في الصميم، وفتحُ باب التكهّنات بشأن إمكانيّة حدوث مواجهةٍ مباشرةٍ بين البلدين على كافّة الاحتمالات.
في هذا السياق، كان لافتًا ما نشرته صحيفة "التايمز" البريطانيّة اليوم الاثنين نقلًا عن موقعٍ تابعٍ لوزارة الدفاع الروسيّة بخصوص الإجراءات الاحترازيّة التي يتّخذها الروس للتعاطي مع احتمال تعرّضهم لحربٍ نوويّةٍ أميركيّة، الأمر الذي يتقاطع من حيث دلالاته الخطيرة مع ما كان منظّر الحركة الأوراسيّة الجديدة البروفسور ألكسندر دوغين قد حذّر منه في وقتٍ سابقٍ من الشهر الماضي، عندما قال إنّ الحرب العالميّة الثالثة باتت على وشك الوقوع، موضحًا أنّ قيام المقاتلات الأميركيّة بقصف مواقع الجيش السوريّ في دير الزور مؤخّرًا، لا يمكن تفسيره على أنّه إعلان حربٍ على سوريا وحسب، وإنّما على روسيا أيضًاً.
على هذا الأساس، نجد أنّ روسيا ما فتئت تبلغ مواطنيها بأنّ الغرب مصمّمٌ على شنّ حربٍ نوويةٍ ضدّها، وبأنّ الأميركيّين يحضّرون أسلحتهم النوويّة لاحتمال استخدامها ضدّ موسكو، وذلك من أجل استنهاض الشعور القوميّ الروسيّ في أوساط الناس، وتحضيرهم نفسيًّا لمواجهة ذلك الآتي الأعظم، ولدرجةِ أنّ وزير الطوارىء الروسيّ، وبحسب "التايمز" البريطانيّة، كان قد أعلن نهار الجمعة الماضي أنّ بلاده شيّدت ملاجىء تحت الأرض لجميع مواطنيها في موسكو، وتتّسع لاثنيْ عشر مليون نسمة.
لا شكّ في أنّ لهذه الإجراءات الوقائيّة الروسيّة ما يبرّرها، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ المفردات المستخدَمة في الخطاب الرسميّ الأميركيّ الموجَّه إلى موسكو بعد حادثة دير الزور، أصبحت تدلّ بوضوحٍ على أنّ الولايات المتّحدة عازمةٌ على السعي في اتّجاه معاقبة روسيا على دورها في سوريا، حتّى وإن اقتضى الأمر انتهاج سياسة "الأرض المحروقة"، وهو ما يتجلّى يومًا بعد يومٍ من خلال معارك "كسر العظم" المتواصلة في الوقت الراهن على جبهات حلب.
وإذا كان البيان الذي أصدره المتحدّث الرسميّ باسم الخارجيّة الأميركيّة جون كيربي الأسبوع الماضي حول تطوّرات الأوضاع الميدانيّة في سوريا قد شكّل المؤشّر الأوّل على اقتراب موعد المواجهة المباشِرة بين روسيا والولايات المتّحدة، وخصوصًا من جهة ما تضمّنه من مفرداتٍ تهديديّةٍ مفادها أنّ "موسكو ستتكبّد خسائرَ حربيّةً، وستتعرّض لهجماتٍ إرهابيّةٍ إذا استمرت في عمليّاتها العسكريّة في سوريا"، فإنّ رفع لهجة التحدّي في بيان المتحدّثة باسم الخارجيّة الروسيّة ماريا زاخاروفا في معرض ردّها على تهديدات نظيرها الأميركيّ، شكّل بدوره مؤشّرًا آخر على اقتراب موعد هذه المواجهة المباشِرة، ولا سيّما إذا وضعنا في الحسبان ما نقلته صحيفة "كوميرسانت" الروسيّة في عددها الصادر يوم السبت الماضي عن لسان عددٍ من الخبراء في مجال العلاقات الروسيّة – الأميركيّة، عندما أكّدوا أنّ المواجهة بين الجانبين خرجت لتوّها عن إطار حرب الكلمات، معبّرين عن الخشية من أن يؤدّي توقّف التعاون بين موسكو وواشنطن في سوريا إلى تبادل الهجمات على مواقع القوى التي يعتبرها كلّ طرفٍ حليفةً للطرفِ الآخر.
معلومٌ أنّ جون كيربي كان قد أعلن في مؤتمرٍ صحافيٍّ مساء الأربعاء الماضي أنّ "نتائج استئناف القتال ستكون استمرار الحرب الأهليّة" في سوريا، مشيرًا إلى أنّ روسيا ستستمرّ في هذه الحالة "بتلقّي جنودها في أكياسٍ وبتبديد مواردها"، الأمر الذي فُسِّر على أنّه خروجٌ غيرُ مألوفٍ عن قواعد اللياقة الديبلوماسيّة المستخدَمة في أدبيّات التعامل بين الدول، ويشي بنزعاتٍ أميركيّةٍ انتقاميّةٍ خطيرةٍ لم تعد خافيةً على أحد.
وممّا لا شكّ فيه هو أنّ أسلوب الانتقام، وإن ظلّ على مرّ الزمان لسان حال الفاشلين وحدهم، فإنّ اثنين من العاقلين لا يختلفان في الوقت الحاليّ على أنّ آليّة تعاطي الأميركيّين مع أزمات المنطقة، سواءٌ في سوريا أم في غيرها من الدول التي مرّ بها عصف "ربيع العرب"، كانت فاشلة بامتياز.. وهنا يكمن شبح الخطر الحقيقيّ على المستقبل المنظور، وربّما البعيد أيضًا، حتّى إشعارٍ آخر.
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)